طنجة تختنق بالدراجات المتهورة… من يحمي الأرواح؟
من مدينة سياحية إلى قطب صناعي واقتصادي كبير، تكشف فوضى الدراجات عن اختلالات التنقل الحضري، وتطرح تحديات جديدة أمام السلامة الطرقية في المدينة والعالم القروي.
لم تعد فوضى بعض الدراجات النارية بطنجة مجرد مصدر للضجيج والإزعاج، بل أصبحت خطراً على الأرواح، بسبب السرعة المفرطة، والشطحات البهلوانية بين السيارات، والسياقة على عجلة واحدة، المعروفة بـ«سياقة الحصان»، والمرور المتهور عبر الأنفاق، وخرق التشوير، واحتلال الأرصفة، وعدم استعمال الخوذة الواقية. سلوكيات تخلف ضحايا أبرياء وإصابات خطيرة وعاهات مستديمة، وقد تنتهي بإزهاق أرواح في ريعان الشباب.
ولا يمكن فصل الظاهرة عن التحولات التي عرفتها طنجة، من مدينة ذات طابع سياحي إلى قطب صناعي واقتصادي يستقطب أعداداً كبيرة من العمال والمستخدمين. فالانتشار المتزايد للدراجات يكشف، إلى جانب كونها وسيلة اقتصادية للتنقل والعمل، عن اختلالات تستحق المراجعة في منظومة النقل الحضري، ومحدودية البدائل المتاحة، والاختناق المروري، وتراكم اختلالات التدبير والتخطيط. وقد ساهمت المشاريع الملكية، وفي مقدمتها برنامج «طنجة الكبرى»، في تطوير الطرق والأنفاق والمحاور المدارية، لكن مواكبة النمو المتواصل للمدينة تقتضي أيضاً نقلاً عمومياً فعالاً وتخطيطاً يستبق الحاجيات.
وفي مواجهة هذه التحديات، تستحق المجهودات المتواصلة التي تبذلها السلطات الأمنية وشرطة المرور في مراقبة الطرق والتصدي للمخالفات التنويه والتقدير. غير أن حجم الظاهرة يستدعي تعزيز هذه المجهودات بالمراقبة الرقمية عبر الكاميرات والرادارات، وتطوير آليات المعاينة وتحرير المخالفات عن بُعد وفق المساطر القانونية، مع تكثيف المراقبة الميدانية عند الأنفاق والمحاور التي تعرف سلوكيات خطرة، وتشديد تطبيق القانون بشأن عدم استعمال الخوذة الواقية، والسياقة الاستعراضية، والسرعة المفرطة.
كما تستوجب المراقبة التصدي لنقل ثلاثة أشخاص على دراجة نارية، أو تعدد الركاب على الدراجات الكهربائية والتروتينيت بما يخالف الشروط القانونية أو قواعد السلامة. وتزداد المخاطر مع تعديل المحركات، والكراء العشوائي، وقيادة القاصرين، واستعمال دراجات تفتقر إلى الوثائق أو التأمين. وهي إشكالات تمتد إلى العالم القروي، حيث تظل الدراجة وسيلة أساسية للتنقل لدى كثير من الأسر، ما يستدعي توسيع نطاق التوعية والمراقبة وحماية حقوق ضحايا الحوادث.
ولا ينبغي إغفال المسؤولية المهنية المرتبطة بالتوصيل السريع، حيث تستدعي ظروف العمل وممارسات بعض السائقين التحقق من شروط السلامة والتأمين، ومساءلة الشركات والمشغلين متى ثبتت مسؤوليتهم وفق القانون.
أما الحلول، فلا تقتصر على الزجر وحده: المطلوب دراسة إمكانية تهيئة ممرات للدراجات في المحاور التي تسمح بنيتها بذلك، ومنها طريق الرباط وشارع الجيش الملكي، ومحور مولاي الرشيد، وطريق تطوان والكورنيش، مع مراعاة ضيق عدد من شوارع طنجة وحماية الشريط الأخضر والفضاء الحضري. كما ينبغي تحسين النقل العمومي، وضبط وضعية الدراجات المعدّلة وغير المؤمّنة، وتكثيف التكوين والتوعية، مع دراسة سبل تفعيل البدائل القانونية ذات البعد التربوي أو الإصلاحي حيث يسمح القانون بذلك، دون المساس بواجب تطبيق العقوبات المقررة للمخالفات الخطيرة.
إن طنجة تحتاج إلى منظومة تنقل تواكب مكانتها السياحية والصناعية، وتجمع بين التخطيط الحضري والرقابة الأمنية والردع القانوني. فالدراجة النارية وسيلة مشروعة للتنقل والعمل، وليست رخصة للمغامرة بأرواح الآخرين.
الطريق فضاء مشترك، والحق في التنقل لا يلغي الحق في الحياة. فلا تنمية حضرية حقيقية دون حماية الأرواح، ولا يجوز أن يدفع المواطن ثمن التهور واختلالات التدبير معاً.


