رحيل حميدو بنرحمون.. طنجاوي بصم العصر الذهبي لكوستا ديل سول وجسد التعايش والتعدد الثقافي
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من طنجة إلى توريمولينوس Torremolinos، حكاية رجل جمع بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على الآخر، وجعل من الموسيقى والثقافة والصداقات جسورا للتواصل والاندماج دون ذوبان.
برحيل حميدو بنرحمون، يوم 19 أكتوبر 2026، عن عمر ناهز 82 عاما، تفقد مدينة توريمولينوس بإقليم مالقة الأندلسي وجها ارتبط بذاكرتها الموسيقية والاجتماعية و الثقافية ، فيما تستحضر طنجة أحد أبنائها الذين حملوا اسمها إلى الضفة الأخرى من المتوسط.
لم يكن حميدو مجرد منسق موسيقي أو صاحب مشروع تجاري، بل نموذجا للتعايش والتسامح والاندماج الإيجابي. فقد حافظ على هويته المغربية وخصوصيته الدينية، وانفتح على المجتمع الإسباني، متقنا اللغة الإسبانية إلى درجة تحدثه بها بطلاقة كأنها لغته الأصلية، إلى جانب إتقانه الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتحدثه الهولندية بطلاقة.

في زمن تتصاعد فيه خطابات العنصرية والكراهية وإقصاء الآخر، تستحضر سيرته معنى إنسانيا يتجاوز حدود النجاح المهني: أن الاعتزاز بالجذور لا يتعارض مع الانفتاح، وأن الاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية، بل المشاركة في الحياة المشتركة واحترام ثقافة الآخر.
«Cheap Charlie».. ملتقى الموسيقى والمشاهير وعشاق كرة القدم
ارتبط اسم حميدو بالعصر الذهبي للحياة الليلية في توريمولينوس، من خلال حضوره في فضاءات موسيقية معروفة، بينها Piper’s وTiffany’s وMach-One، قبل أن يؤسس حانته الشهيرة «Cheap Charlie»، التي تحولت إلى ملتقى للمشاهير وعشاق موسيقى الروك والبلوز والسول، من الإسبان والسياح الوافدين على ساحل الشمس.
ولم يكن المكان مجرد حانة، بل فضاءا للتعارف والتواصل، اجتمعت فيه الموسيقى والصداقات والاهتمامات المشتركة. وتوثق وثيقة أرشيفية مؤرخة في 4 يونيو 1984 إعلانا عن حانة حميدو، يشير إلى اهتمامه بجلب الموسيقى البريطانية ومقاطع الفيديو لفرق موسيقية مميزة، إلى جانب الملابس المرتبطة بثقافة الـMOD الشبابية. وهي شهادة تكشف عن اهتمامه بالموسيقى بوصفها ثقافة تتجاوز الترفيه، وتجمع حولها أجيالا واهتمامات مختلفة.

وكان الراحل أيضا من عشاق كرة القدم، وجمعته صلات وصداقات بأسماء معروفة في عالم المستديرة، من بينها نجم ريال مدريد خوانيتو، وباكو بينيدا، والدولي المغربي حسن فاضل، والأسطورة الكروية المغربية عبد الرحمن بنبركة. وتعكس هذه العلاقات امتداد حضوره الاجتماعي بين الإسبان والمغاربة، وتنوع الدوائر التي تحرك فيها على امتداد سنوات إقامته.
وتأتي رسالة الوداع التي وجهها إليه أصدقاؤه بعد رحيله لتكشف جانبا من مكانته الإنسانية، فقد استحضروا سنوات Piper’s Club، ووصفوه بالصديق الاستثنائي الذي ملأ ليالي شبابهم بالموسيقى والفرح واللحظات الجميلة، مؤكدين أن ذكريات تلك المرحلة ظلت محفورة في وجدانهم.
إنها شهادة وفاء تختصر ما هو أبعد من الشهرة الموسيقية: رجل أصبح جزءا من ذاكرة أصدقائه، واستمر حضوره في وجدانهم بعد عقود من اللقاءات والذكريات المشتركة.
ابن طنجة.. مثقف موسوعي وجسر بين اللغات والثقافات
حمل حميدو معه من طنجة شغفا بالتاريخ والآثار العربية والمغربية، إلى جانب فضول معرفي واسع جعله، في نظر من عرفوه، أشبه بمكتبة متنقلة. فقد أتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية قراءة وكتابة، وتحدث الهولندية بطلاقة، فضلا عن تمكنه اللافت من الإسبانية، التي كان يتحدث بها كما لو كانت لغته الأصلية، مع احتفاظه بلغته الأم وارتباطه بهويته المغربية.

ولم تكن هذه المعرفة اللغوية مجرد رصيد شخصي، بل تحولت إلى وسيلة عملية لخدمة الآخرين. فبعد إغلاق «Cheap Charlie»، اشتغل مترجما لدى مفوضية الشرطة المحلية ومرشدا اجتماعيا، مستثمرا قدرته على التواصل في مساعدة الناس وتيسير التفاهم بين أشخاص تختلف لغاتهم وخلفياتهم الثقافية.
وهنا تتجلى إحدى أبرز دلالات تجربته: فاللغة ليست مجرد أداة للتخاطب، بل جسر لفهم الآخر وتجاوز الحواجز، ووسيلة لتعزيز الاندماج وصون كرامة الإنسان.
من الصناعة التقليدية المغربية إلى فضاء يلتقي فيه الشرق والغرب
حافظ حميدو على حضور هويته المغربية في مشاريعه التجارية والثقافية. فقد أسس محلا للديكورات والأثاث المغربي بمدينة مالقة، عرف من خلاله بجمالية الصناعة التقليدية المغربية وما تختزنه من مهارات فنية وذاكرة حضارية.
وبعد بلوغه سن التقاعد، افتتح مقهى ذا طابع عربي ومغربي بشارع إيزابيل مانوخا في توريمولينوس، جعله فضاءا يحتضن التحف واللوحات والقطع المستوحاة من الثقافة المغربية، إلى جانب الموسيقى الغربية الكلاسيكية.

لم يكن ذلك مجرد اختيار تجاري أو جمالي، بل تعبيرا عن قناعة عملية بأن الانفتاح على المجتمع المضيف لا يقتضي إخفاء الأصل، وأن الثقافة المغربية قادرة على الحضور والتفاعل مع محيطها دون أن تفقد خصوصيتها.
الاندماج دون ذوبان.. الدين والأسرة والمواطنة
لم يكن اندماج حميدو في المجتمع الإسباني مرادفا للتخلي عن خصوصيته الدينية والثقافية. فقد حافظ على تقاليده وارتباطه بدينه، وكان رب أسرة، متزوجا وأبا لابن وبنت. وظل من رواد الصلاة الجماعية بالمسجد في توريمولينوس، مواظبا على أداء صلاته فيه حتى آخر يوم في حياته، في صورة تعكس تمسكه بقيمه الدينية وحرصه على ممارسة شعائره، دون أن يتعارض ذلك مع انفتاحه على المجتمع الذي عاش بين ظهرانيه.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة في قراءة مساره، إذ تقدم مثالا على إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والمشاركة في الحياة المجتمعية، وبين الوفاء للجذور والانفتاح على المحيط.
لقد جسد حميدو معنى الاندماج الإيجابي من خلال حياته اليومية وعمله وعلاقاته: مغربي يعتز بأصله، ومتقن للغة الإسبانية ومنفتح على ثقافة المجتمع الذي عاش فيه، وإنسان جعل من التواصل والاحترام المتبادل أساسا لعلاقاته.
وهذه هي الرسالة التي تتجاوز سيرته الفردية: أن التعدد الثقافي ليس تهديدا للمجتمع، بل مصدر غنى حين يقوم على الاحترام والمشاركة والمساواة في الكرامة والحقوق.
تكريم يليق بذاكرة المدينة
إن مسيرة حميدو بنرحمون تستحق أن تحظى بالتقدير، ليس فقط لما ارتبط بها من حضور في المشهد الموسيقي والسياحي، بل لما تجسده من قيمة إنسانية وثقافية. ومن هذا المنطلق، تبرز الدعوة إلى بلدية توريمولينوس Torremolinos والجهات المعنية، بما فيها غرفة التجارة و السياحة و الثقافة للنظر في إمكانية إطلاق اسمه على أحد شوارع المدينة أو ساحاتها، اعترافا بإسهاماته وبالعلاقات الإنسانية التي بناها على امتداد عقود.
فالتكريم المقترح لا يتعلق بحانة أو مشروع تجاري وحده، بل برجل جمع بين ثقافتين، وساهم بتفان ومنذ ستينيات القرن الماضي في الإشعاع السياحي والثقافي لـ Torremolinos، عاصمة السياحة عالميا بلياليها الساحرة. رجل عرف بالثقافة المغربية، وترك أثرا في ذاكرة أصدقائه ومحيطه، وقدم مثالا على أن الاختلاف يمكن أن يكون منطلقا للتعارف والتعاون، لا سببا للإقصاء.
رحم الله حميدو بنرحمون، ابن طنجة الذي ترك بصمته في ذاكرة توريمولينوس، وجعل من الموسيقى واللغة والصداقة جسورا بين الناس والثقافات.
رحل حميدو، لكن سيرته تظل شاهدا على أن التعايش لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه حياة يعيشها الإنسان باحترام وانفتاح ووفاء لجذوره.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأصدقاءه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.



