نجاح في الأسواق الخارجية.. فماذا عن المستهلك والشغيلة واستدامة الموارد؟
تواصل الفواكه الحمراء المغربية توسيع حضورها في الأسواق الأوروبية، مؤكدة قدرة الفلاحة الوطنية على تطوير منتوج عالي الجودة، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، والاستفادة من تقنيات حديثة في الإنتاج والتعبئة والتصدير.
وتكشف أرقام موسم 2025/2026 عن حجم هذه الدينامية؛ فقد تجاوزت صادرات الفواكه الحمراء المغربية إلى المملكة المتحدة وحدها 18 ألف طن، بقيمة تفوق 132 مليون جنيه إسترليني، فيما تجاوزت حصة المغرب نصف واردات النرويج من التوت العليق والتوت الأسود الطازج.
نجاح يستحق التثمين، لكنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة مشروعة في الداخل.
المستهلك المغربي.. الحلقة التي تستحق الإنصاف ؟
المفارقة التي تستحق النقاش ليست في كون المنتج المغربي يصدر، وإنما في وضعية جزء من المنتجات ذاتها داخل السوق الوطنية.
ففي الوقت الذي تصل فيه الفواكه المغربية إلى الأسواق الخارجية في عبوات منظمة، وبمعلومات واضحة، وبشروط دقيقة للجودة والسلامة والتتبع، قد يجد المستهلك المغربي بعض المنتجات الفلاحية، ومن بينها الفواكه الحمراء والفواكه الاستوائية، معروضة في قنوات بيع محلية بشكل أقل تنظيما من حيث التعريف بالمنتج والتلفيف وشروط العرض، بينما تظل أسعار بعضها مرتفعة بالنسبة إلى القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين.
وهنا لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإضعاف التصدير أو فرض نموذج تجاري واحد على المنتجين، وإنما بسؤال بسيط في جوهره:
هل يحصل المستهلك المغربي على حقه في منتوج آمن، واضح المصدر، جيد العرض، وبسعر عادل؟
فالجودة التي تجعل المنتج المغربي قادرا على المنافسة خارج الحدود ينبغي ألا تتحول إلى امتياز للمستهلك الخارجي فقط.
السعر.. سؤال يحتاج إلى أرقام لا إلى انطباعات
قد يلاحظ المستهلك أحيانا أن بعض المنتجات المغربية تكون في أسواق خارجية بأسعار تبدو أقل من أسعارها في السوق الوطنية. لكن المقارنة العادلة تقتضي احتساب تكاليف النقل والتبريد والتعبئة والضرائب وهوامش التوزيع وفوارق الأسواق والمواسم.
لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا المنتج أرخص في الخارج دائما؟
بل:
كيف يتشكل السعر من الضيعة إلى يد المستهلك المغربي، وأين تتوزع الهوامش داخل هذه السلسلة؟
هنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الشفافية، وتقليص الحلقات غير الضرورية، وتطوير قنوات توزيع أكثر كفاءة، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستهلكين دون الإضرار بمصلحة المنتج أو الفلاح.
خلف كل علبة.. يد عاملة:
ولا يمكن الحديث عن نجاح التوت دون الحديث عن العاملات والعمال الذين يقفون خلفه.
فالقطاع يوفر فرص شغل مهمة، خصوصا في المناطق القروية، ويساهم في خلق دخل للعديد من الأسر، لكن الطابع الموسمي للعمل، وظروف النقل، والحماية الاجتماعية، والسلامة المهنية، ومستوى الأجور، كلها ملفات ينبغي أن تظل في صلب النقاش.
فالمنتج الذي يستوفي شروطا دقيقة حتى يصل إلى رفوف الأسواق الأوروبية ينبغي أن تكون وراءه أيضا سلسلة إنتاج تحترم كرامة الإنسان الذي ساهم في إنتاجه.
ولا يعني ذلك اتهام القطاع برمته أو تجاهل المبادرات والممارسات الجيدة الموجودة فيه، بل يعني أن نموه يفرض توسيع دائرة الحماية الاجتماعية والمراقبة الميدانية، حتى يصبح العامل شريكا في النجاح لا مجرد تكلفة في معادلة الإنتاج.
الماء.. كلفة النجاح التي لا تظهر في الفاتورة،
هناك وجه آخر للطفرة يتعلق بالموارد الطبيعية.
فالتوسع في زراعة الفواكه الحمراء ترافق مع تحديث تقنيات الإنتاج والري، لكن كفاءة استعمال الماء لا تلغي الحاجة إلى مراقبة الضغط على الموارد المائية، خصوصا في المناطق التي تعاني أصلا من الإجهاد المائي.
وهنا يجب أن يصبح معيار نجاح الاستثمار الفلاحي أوسع من المردودية وقيمة الصادرات: كم يستهلك من الماء؟ وكيف يستعمله؟ وهل يستطيع المجال المائي تحمل استمرار هذا النشاط على المدى الطويل؟
فالاستدامة ليست عائقا أمام الاستثمار، بل شرط لاستمراره.
المفارقة.. نجاح الخارج يجب أن يقوي الداخل،
التوت المغربي استطاع أن يجد لنفسه مكانا مهما في الأسواق الأوروبية. وهذه قصة نجاح فلاحية وتجارية لا ينبغي إنكارها.
لكن نجاح التصدير لا ينبغي أن يجعل السوق الوطنية مجرد محطة ثانوية، كما أن حماية المستهلك لا تعني معاداة المصدر، والدفاع عن العامل لا يعني الوقوف ضد المستثمر، وحماية الماء لا تعني رفض التنمية.
المطلوب هو تحقيق التوازن.
قطاع تصديري قوي، وسوق وطنية تحترم المستهلك، وظروف عمل تحفظ كرامة الشغيلة، وإنتاج فلاحي يراعي حدود الموارد الطبيعية.
لسنا ضد التصدير، ولا خصوما للمستثمرين، ولا وكلاء عن المستهلك أو العامل. نحن فقط نطرح سؤالا مشروعا حول كيفية توزيع ثمار نجاح مغربي واضح.
فإذا كان التوت المغربي قادرا على الوصول إلى موائد الأوروبيين بجودة تنافسية، فإن الطموح الأكبر هو أن يصل أيضا إلى موائد المغاربة بسعر أكثر ملاءمة، وبالمعلومة والضمانات نفسها، وأن تكون اليد التي تنتجه مصونة الحقوق، وأن يبقى الماء الذي يزرع به متاحا للمستقبل.
.التحدي اليوم ليس في نجاح التوت المغربي، وإنما في استدامة هذا النجاح: أن يظل مربحا وقادرا على المنافسة، من دون أن تكون كلفته على الإنسان والماء والمجال أكبر من قدرة المستقبل على تحملها.



