حكومة المنصوري وتقرير المندوبية… ها الإرث، وها الأرقام، وورّيوْنا حنّت يديكم!
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من غلاء المعيشة إلى امتحان الوعود، تقرير رسمي يضع الحكومة الجديدة أمام واقع الأسر المغربية، ويذكر بأن المسؤولية عن الماضي مشتركة، أما نتائج المستقبل فستقاس بالأفعال.
تقرير الظرفية لدى الأسر، الذي أصدرته المندوبية السامية للتخطيط في 15 أكتوبر الجاري، يشكل استقبالا بلا مجاملات للحكومة الجديدة، وكأنه يقول لها: مرحبا بكم، ها هو الواقع، وها هي الأرقام، وها كيف ترى الأسر المغربية وضعها المعيشي ومستقبلها الاقتصادي.
فـ76.3 في المائة من الأسر صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا الماضية، و95.9 في المائة أكدت ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فيما تتوقع 61.3 في المائة ارتفاع البطالة خلال السنة المقبلة. أما مؤشر ثقة الأسر، فقد استقر عند 59.2 نقطة، مقابل 60.1 في الربع السابق، وإن ظل أعلى من مستواه خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
هذه ليست أحكام خصوم سياسيين، بل مؤشرات رسمية تكشف حجم التحدي الاجتماعي الذي ينتظر الحكومة الجديدة، في وقت تجاوز فيه سعر المازوط 15 درهما للتر، وأصبحت القدرة الشرائية هاجسا يوميا للأسر.
لكن الإنصاف يقتضي ألا يقدم هذا الواقع باعتباره إرثا يخص الآخرين وحدهم. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري، كان جزءا من الحكومة السابقة، إلى جانب أحزاب أخرى تشارك اليوم في الأغلبية الجديدة. لذلك، فإن قراءة الحصيلة الماضية تستوجب الاعتراف بمسؤولية مكونات التجربة السابقة، كل بحسب موقعه ومشاركته، دون إعفاء الحكومة الجديدة من مسؤوليتها عن القرارات والنتائج المقبلة.
لقد انتهت الحملات الانتخابية وبدأ زمن التدبير. كما أن التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح الدورة التشريعية ترسم أفقا واضحا، قوامه تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. ويبقى التحدي في تحويل هذه التوجيهات والبرامج إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
فالدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد البرامج المعلنة، بل بمدى قدرتها على تخفيف أعباء المعيشة، وتحسين فرص الشغل، وضمان خدمات صحية وتعليمية لائقة، وإيصال الدعم إلى مستحقيه. وهنا ينبغي التمييز بين مؤشر ثقة الأسر الذي ترصده المندوبية، والمؤشر الاجتماعي المعتمد في استهداف المستفيدين من الدعم ، فلكل منهما وظيفته، لكن كليهما يذكر بأهمية بناء السياسات العمومية على معطيات دقيقة، وتقييم نتائجها وفق ما يتحسن فعليا في حياة الناس.
ولا يجوز أن تنحصر العدالة المجالية في المدن الكبرى أو في أرقام الاستثمار، بينما يستمر العالم القروي، الذي عرف خلال السنوات الأخيرة حركات اجتماعية تعبيرا عن التهميش ونقص الخدمات، في انتظار نصيبه من التنمية. فالعدالة المجالية الفعلية تقتضي توزيعا منصفا للبنيات الأساسية والخدمات والفرص، حتى لا يبقى المغرب المنسي خارج حسابات الأولويات.
ومع اقتراب الاستحقاقات الجماعية والجهوية، ستظل الثقة مرتبطة بما يلمسه المواطن في واقعه اليومي، لا بما يسمعه من وعود. وكما يقول المثل المغربي: «دخول الحمام ماشي بحال خروجو»؛ فالتدبير أصعب من الوعود، لكن صعوبة المرحلة لا تعفي من المسؤولية، كما أن الإرث السابق لا يبرر استمرار الاختلالات.
ليس من المنصف مطالبة الحكومة بنتائج قبل أن تباشر عملها، لكن من حق المواطنين انتظار أولويات واضحة، والتزامات قابلة للتتبع والمحاسبة، ومؤشرات تقيس التقدم في القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات والعدالة المجالية.
ها هو الإرث، وها هي الأرقام، وها هي التوجيهات. ويبقى الامتحان الحقيقي في السوق والمستشفى والمدرسة وفرص الشغل، وفي قدرة الأسرة على إكمال الشهر بكرامة.
فالثقة لا تبنى بالمجاملات ولا بتبادل المسؤوليات، بل بنتائج ملموسة. ووريوْنا حنّت يديكم، فالمعيشة لا تنتظر، وثقة المواطنين ليست شيكا على بياض.


