مطرح المنزلة بطنجة… من طمر النفايات إلى تثمينها، أين حقوق الساكنة؟
بقلم: الحداد حسن المنزلي
بين مشروع «البوغاز» الجديد وغياب الاستثمار المبكر في الفرز من المنبع، تبرز مفارقات تدبير النفايات: تأهيل المستقبل لا يعفي من تقييم الماضي، والبيئة المستدامة حق دستوري، والتواصل والتشاركية مسؤولية المؤسسات.
يشكل مطرح المنزلة إحدى أبرز القضايا البيئية والتنموية بطنجة، بالنظر إلى ارتباطه بتدبير النفايات، وحماية المجال الطبيعي، ومصالح الساكنة المجاورة. وبين الانتقال من الطمر إلى التثمين، ورصد استثمارات مهمة لإحداث مركز جديد، يظل التحدي الحقيقي هو تقييم التجربة السابقة، ومعالجة الاختلالات، وضمان ألا تتحول التنمية إلى مشاريع وتجهيزات دون استحضار الإنسان وحقوقه.

بين إغلاق مغوغة وافتتاح المنزلة… انتقال لم تستثمر دروسه.
لم يكن الانتقال من مطرح مغوغة إلى مطرح المنزلة مجرد تغيير لموقع استقبال النفايات، بل كان يفترض أن يشكل بداية تحول شامل في طريقة تدبيرها. غير أن السنوات التي مرت تطرح أسئلة بشأن مدى الاستثمار في هذا الانتقال، وما تحقق من أهداف الفرز والتدوير والتثمين، وما يستدعي التقييم من آثار بيئية واجتماعية.
فبين التفكير في إغلاق مطرح مغوغة وإغلاقه، ثم الانتقال إلى المنزلة، ضاعت فرصة ثمينة لمواكبة هذا التحول ببرنامج متدرج للتربية البيئية والفرز من المنبع، وبإشراك المؤسسات والساكنة في بناء منظومة أكثر استدامة.
وتكشف هذه التجربة عن مفارقة تتكرر في تدبير عدد من الملفات بالمغرب: ننتقل من مرحلة إلى أخرى، لكننا لا نستثمر بما يكفي في استخلاص الدروس وتراكم التجارب. وهكذا قد تتطور المنشآت والتجهيزات، بينما تتأخر مواكبة المواطنين، والوقاية من الأضرار، وإرساء ثقافة جديدة في إنتاج النفايات وتدبيرها.

الفرز من المنبع… الاستثمار الحقيقي يبدأ من المنزل:
كان بالإمكان، منذ التفكير في إغلاق مطرح مغوغة، إطلاق برنامج مندمج للفرز من المنبع، يستهدف الأحياء السكنية والمناطق الصناعية والمحلات التجارية والمطاعم والفنادق والمؤسسات التعليمية، مع توفير الوسائل اللازمة للتحسيس والجمع المنفصل للمواد القابلة للتدوير.
ويفترض هذا التوجه إعطاء الأولوية للمنزل والمطبخ، باعتبارهما من أهم مصادر النفايات اليومية، والعمل على فصل النفايات العضوية عن البلاستيك والكرتون والمواد القابلة للتدوير، والحد من اختلاطها بالسوائل وبقايا الطعام، وفق منظومة جمع ومعالجة ملائمة.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن بعض الأسر تحرص على فصل الخبز عن باقي النفايات المنزلية، بينما لا تحظى مواد أخرى قابلة للتدوير بالاهتمام نفسه. فلماذا لا ننتقل إلى فرز أوسع وأكثر تنظيما؟ وهل وفرت المؤسسات منظومة واضحة وميسرة تضمن أن ما يفرزه المواطن سيجمع ويعالج بالطريقة المناسبة؟
إن مسؤولية المواطن في تغيير سلوكه أساسية، لكنها لا تنفصل عن مسؤولية المؤسسات والجماعات والشركات في توفير التجهيزات، وتنظيم الجمع، والتوعية المستمرة.
فالاستثمار الحقيقي في جيل جديد من المطارح لا يبدأ من المنزلة وحدها، بل من حومة الحداد وبنغازي وبئر الشيفا و بوحساين و العوامة و مغوغة طنجة المدينة و شرف السواني و كزناية و أصيلة …ومن جميع المنازل والمعامل والفنادق والمطاعم والمتاجر. يبدأ من المكان الذي تنتج فيه النفايات، قبل أن تتحول إلى عبء على المجال الطبيعي والميزانية العمومية.

النفايات ثروة… والاقتصاد الدائري فرصة للتنمية
لم تعد النفايات في التجارب الحديثة مجرد مواد ينبغي التخلص منها، بل أصبحت موردا اقتصاديا يمكن استرجاع جزء من قيمته عبر الفرز والتدوير والتثمين.
ويتسع هذا التوجه ليشمل النفايات الإلكترونية والصناعية، حيث تعمل دول على تطوير ما يعرف بـ«المناجم الحضرية»، أي استرجاع المعادن والمواد ذات القيمة من الهواتف والحواسيب والأجهزة الإلكترونية المستعملة، بما يساعد على استعادة موارد قابلة للاستخدام وتقليص الحاجة إلى استيراد بعضها.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من منطق التخلص من النفايات إلى تدبير دورة حياتها كاملة، بما يفتح المجال أمام فرص شغل جديدة، ويعزز الاقتصاد الأخضر والدائري، ويحد من الهدر.
كما يقتضي هذا التحول معالجة البعد الاجتماعي للملف، ولا سيما وضعية فئة «الميخالة» التي تشتغل داخل المطرح في ظروف يغلب عليها الطابع العشوائي. فالحل لا يكمن في تجاهل هذه الفئة، بل في البحث عن صيغ للإدماج الاجتماعي والمهني، وضمان شروط السلامة والكرامة، وإمكانية تحويل أنشطة الفرز غير المهيكلة إلى جزء من منظومة منظمة للتثمين.

آثار مطرح المنزلة… التقييم أولا وإنصاف المتضررين
إلى جانب الأسئلة المرتبطة بطريقة تدبير النفايات، تظل هناك ملاحظات ميدانية بشأن انتشار البلاستيك في أراض فلاحية، وروائح تنتقل إلى دواوير مختلفة بحسب اتجاه الرياح، وانعكاسات محتملة على الفلاحة وتربية النحل و الرعي بالاراضي المجاورة للمطرح .
كما أشارت دراسات علمية منشورة، وفق المعطيات المتداولة في هذا الملف، إلى مؤشرات تلوث في مصادر مياه قريبة من المطرح، مع طرح احتمال ارتباط تدهور جودة المياه بتسرب العصارة.
وتستدعي هذه المعطيات التمييز بين الملاحظات الميدانية والنتائج العلمية، ومواصلة المراقبة والتحاليل البيئية لتحديد مصادر التلوث ومداه، والتحقق من الروابط المحتملة بينه وبين أنشطة المطرح.
فالمطلوب ليس إطلاق أحكام مسبقة، ولا التقليل من مخاوف الساكنة، بل اعتماد تقييم موضوعي وشفاف، يحدد المسؤوليات وفق النتائج والمعايير القانونية، ويتيح معالجة الأضرار التي يثبت ارتباطها بالمطرح، وإنصاف المتضررين وفق المساطر المعمول بها.
فالساكنة التي عايشت هذه المرحلة لا ينبغي أن تبقى خارج حسابات الانتقال إلى منظومة جديدة. كما أن نجاح المشاريع المقبلة لا يعفي من تقييم آثار المشاريع السابقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأراضي الفلاحية والمياه والمجال الطبيعي ومصالح المواطنين.

مشروع «البوغاز»… فرصة للتصحيح لا لتجاوز الماضي
يمثل مشروع مركز «البوغاز» الجديد، الذي أُعلن عنه سنة 2026 بكلفة إجمالية تناهز 1.62 مليار درهم وفق المعطيات المنشورة، فرصة لتطوير تدبير النفايات بطنجة عبر حلول تشمل الفرز والتسميد والتثمين ومعالجة العصارة.
ونأمل أن يتم تنزيل المشروع وفق الأهداف المعلنة، وأن يشكل خطوة فعلية نحو منظومة أكثر استدامة تواكب التحولات الصناعية والاقتصادية والسياحية للمدينة ومحيطها.
لكن رصد استثمارات مهمة وإحداث منشآت جديدة لا يكفيان وحدهما لضمان النجاح. فالنجاعة تقتضي إدماج الفرز من المنبع، ووضوح مسؤوليات مختلف المتدخلين، وجودة المراقبة البيئية، واحترام المعايير التقنية، إلى جانب تقييم الآثار التي خلفتها المرحلة السابقة.
إن الانتقال إلى مركز جديد لا ينبغي أن يتحول إلى صفحة تطوى قبل تقييم ما سبقها، فحقوق الساكنة لا تنتهي بتغيير موقع استقبال النفايات، والعدالة المجالية لا تتحقق بمجرد تأهيل البنية التحتية، بل تقتضي استحضار المجال الطبيعي والإنسان الذي يعيش فيه، والاستماع إلى المتضررين، وإنصاف من تثبت أضرارهم.
من استشراف التحديات إلى ضرورة التواصل والتشاركية
قبل افتتاح مطرح المنزلة، كنت أردد دائما: «إغلاق مطرح مغوغة مسألة وقت، أما مطرح المنزلة فمسؤولية الجميع». وقد أكدت تطورات السنوات اللاحقة وجاهة هذا التنبيه، فإغلاق مطرح سابق لا ينهي ملف النفايات، بل يفتح مرحلة جديدة من المسؤولية تتطلب الاستباق والتخطيط والتقييم وإشراك مختلف المتدخلين والساكنة المعنية.
ومن أبرز الدروس التي يطرحها هذا الملف أن غياب التواصل المؤسساتي الواضح، وصعوبة الولوج إلى المعلومة، وضعف التشاركية الفعلية في قضايا حساسة كمرفق النظافة والمطارح، لا تترك فراغا إداريا فحسب، بل قد تفتح المجال أمام انتشار معلومات غير دقيقة وتأويلات متباينة، وتغذي الإحساس بالتهميش وفقدان الثقة، بما قد يرفع منسوب الاحتقان.
فحين تغيب المعلومة الموثوقة بشأن طبيعة المشاريع، وشروط تدبيرها، ونتائج المراقبة البيئية، والتدابير المتخذة لحماية الساكنة، يصبح المواطن مضطرا إلى استقاء معلوماته من مصادر متفرقة، وقد تختلط الوقائع بالتخمينات والمبالغات. ولا تكون المعالجة بالتقليل من المخاوف أو التضييق على النقاش، بل بتوفير المعلومة الدقيقة في وقتها، وفتح قنوات حوار جدي، وإشراك الساكنة في تتبع الملفات التي تمس مجالها الطبيعي ومصالحها اليومية.
فالتواصل ليس مجرد بلاغات تصدر عند تصاعد الانتقادات، والتشاركية ليست لقاءات شكلية بعد اتخاذ القرارات ، بل هما مساران مستمران يبدآن قبل إطلاق المشاريع، ويواكبان تنفيذها، ويستمران خلال التقييم والمراقبة.
مطرح المنزلة، بهذا المعنى، ليس مسؤولية تقنية مرتبطة بتدبير النفايات وحده، بل اختبار أيضا لقدرة المؤسسات على التواصل مع المواطنين، وضمان حقهم في المعلومة، وإشراكهم في القضايا التي تعنيهم.
مطرح المنزلة ليس حلبة انتخابية
هذا هو بيت القصيد: مطرح المنزلة ليس حلبة للتنافس السياسي ذي الأبعاد الانتخابية، ولا مجالا لتضليل الرأي العام أو تصفية الحسابات الذاتية والسياسية.
فالبيئة حق للمواطنين، وليست ملكا لجهة سياسية، كما أن الدفاع عنها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للاستثمار الظرفي في معاناة الساكنة.
سبق أن قلنا في أكثر من مناسبة: «مطرح المنزلة طاح من المكاتب خرج مايل». وهي عبارة تختزل الحاجة إلى مراجعة طريقة إعداد المشاريع وتنزيلها ومواكبتها، بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج بعد ظهورها. والمقصود هو التنبيه إلى ضرورة استخلاص الدروس وتحديد مواطن الخلل، بالاستناد إلى التقييم التقني والقانوني، ومنع تكرار الاختلالات في المشاريع المقبلة.
ومن حق الفاعلين السياسيين والمدنيين والإعلاميين إثارة الاختلالات والترافع بشأنها، لكن مسؤولية الجميع تقتضي أن يكون النقاش قائما على المعطيات، وأن يقترن بحلول عملية قابلة للتنفيذ، بعيدا عن المزايدات والتجاذبات التي قد تجعل الساكنة مجرد موضوع للاستهلاك الإعلامي أو الانتخابي.
البيئة المستدامة حق دستوري ومسؤولية الجميع
ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على حق المواطنين في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة والتنمية المستدامة. ويجعل ذلك حماية البيئة مسؤولية تتكامل فيها أدوار المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والشركات والمواطنين.
وتبدأ هذه المسؤولية بالتخطيط الجيد، واحترام المعايير التقنية والبيئية، والمراقبة المنتظمة، والشفافية في عرض النتائج، كما تشمل التربية على الفرز من المنبع، واحترام توقيت إخراج النفايات، وتجنب رميها عشوائيا، وتسهيل جمع المواد القابلة للتدوير وفق المنظومة المعتمدة.
غير أن المسؤولية المشتركة لا تعني تذويب مسؤوليات كل طرف، بل تحديد دوره ومساءلته عن مدى الوفاء بالتزاماته. فالمواطن مسؤول عن سلوكه، والمؤسسات مسؤولة عن التخطيط والتنظيم والمراقبة، والشركات مسؤولة عن احترام التزاماتها وشروط التدبير.
رسالتنا واضحة:
نريد منظومة حديثة لتدبير النفايات، ومشروعا ناجحا يحمي البيئة، وفرزا يبدأ من كل منزل ومؤسسة، وتقييما موضوعيا لآثار المرحلة السابقة، وتواصلا مؤسساتيا يضمن الحق في المعلومة والتشاركية الفعلية، وإنصافا لكل من تثبت أضراره.
فالرهان ليس نقل النفايات من مكان إلى آخر، ولا استبدال مطرح بمركز جديد فحسب، الرهان هو تغيير طريقة إنتاج النفايات وتدبيرها، وحماية المجال الطبيعي، وصون حقوق الساكنة. وتلك هي التنمية المستدامة حين تصبح ممارسة فعلية، لا مجرد شعار يرافق المشاريع والاستثمارات.



