ملف المحاماة.. أحد اختبارات الولاية الحكومية لفاطمة الزهراء المنصوري
بقلم : الحداد حسن المنزلي
بين تدبير الخلاف مع الهيئات المهنية وضمان استمرارية المرفق القضائي، يظل المتقاضي وحماية حقوقه في صلب الرهانات، فيما يشكل الحوار المسؤول مدخلا لتجاوز الأزمة بعيدا عن منطق المواجهة.
خلاف مهني بأبعاد مجتمعية
لم يكن استئناف المحامين بالمغرب عملهم يوم 7 أكتوبر 2026، بعد قرابة أربعة أشهر من توقف الخدمات المهنية، مجرد عودة إلى قاعات المحاكم، بل جاء في سياق انتظار تشكيل الحكومة الجديدة، وتزامنا مع افتتاح صاحب الجلالة الملك محمد السادس للسنة التشريعية الجديدة. وقد أتاح هذا الاستئناف فرصة لاستعادة السير العادي للمرفق القضائي وفتح نافذة جديدة أمام الحوار، دون أن يعني ذلك انتهاء أسباب الخلاف أو التوصل إلى تسوية نهائية.
ومع استمرار عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل ضمن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، تتجه الأنظار إلى قدرة المرحلة المقبلة على معالجة نقاط الاختلاف، بعيدا عن التصعيد وتبادل المواقف.
فالأزمة المرتبطة بالقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لم تقتصر آثارها على العلاقة بين الوزارة والهيئات المهنية، بل امتدت إلى مصالح المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام تأجيلات وانتظار، دون أن يكونوا طرفا في الخلاف.
من منظور حقوق المستهلك.. المتقاضي أولا
من موقعنا التحريري المدافع عن حقوق المستهلك، نعتبر أن المتقاضي يستحق مرفقا قضائيا منتظما وفعالا، يضمن حقوقه ويساعد على البت في قضاياه داخل آجال معقولة، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
صحيح أن علاقة المتقاضي بالقضاء لها خصوصيتها القانونية والمؤسساتية، ولا تختزل في علاقة استهلاكية تقليدية، لكن مصالحه تظل معيارا أساسيا عند تقييم أداء المرفق القضائي وتدبير الأزمات التي تؤثر في خدماته.
فتأجيل جلسة قد يطيل نزاعا أسريا، أو يؤخر تسوية قضية تجارية أو اجتماعية، ويضاعف الأعباء التي يتحملها المواطن. لذلك، فإن الدفاع عن حقوق المتقاضين لا يعني الوقوف ضد المحامين أو الوزارة، بل التأكيد على أن استمرارية العدالة مسؤولية مشتركة، وأن المواطن يجب ألا يتحمل كلفة تعثر الحوار.
حكومة المنصوري أمام اختبار الحوار والمسؤولية
إن استمرار عبد اللطيف وهبي في منصبه لا يعني بالضرورة استمرار الأزمة، كما أن استئناف المحامين عملهم لا يمثل تسوية نهائية لها. فالعبرة بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من مبادرات عملية، وقدرة الأطراف على معالجة الخلافات في إطار القانون والمؤسسات.
وهنا تبرز ضرورة فتح حوار جدي بين وزارة العدل والهيئات المهنية، لتوضيح نقاط الاختلاف ومناقشة الاعتراضات، والبحث عن حلول متوازنة تراعي متطلبات الإصلاح وتحترم الاختصاصات القانونية، مع حماية حقوق المواطنين.
وكما يقول المثل المغربي: «شبروا العصا من الوسط». فالحكمة تقتضي الابتعاد عن منطق الغلبة، وعن كل موقف من شأنه وضع العصي في العجلة وتعقيد مسار التفاهم. وليس المطلوب أن يتخلى أي طرف عن حقوقه، بل أن يدبر خلافه بمسؤولية، مستحضرا أن تعطيل المرفق القضائي لا يخدم أحدا.
وتكمن أهمية هذا الملف بالنسبة إلى الحكومة الجديدة في قدرتها على تيسير الحوار وتحويل استئناف العمل إلى فرصة لاستقرار مستدام، دون إصدار أحكام مسبقة على مآلات الأزمة أو نتائج تدبيرها.
لا غالب ولا مغلوب.. المتقاضي ليس ضحية الخلاف
من موقعنا المدافع عن حقوق المستهلك، رسالتنا واضحة: لا نصطف مع طرف ضد آخر، ولا نتبنى المطالب المهنية باعتبارها موقفا مسبقا، بل ندعو إلى حوار مسؤول يضمن الحقوق ويصون استمرارية المرفق القضائي.
إن وزارة العدل والهيئات المهنية أمام فرصة لمعالجة الخلافات بروح مؤسساتية، قوامها الثقة والتفاهم واحترام القانون، فيما تتحمل الحكومة مسؤولية تهيئة الظروف الملائمة لهذا المسار.
فالمطلوب ليس انتصار الوزارة على المحامين، ولا انتصار المحامين على الوزارة، بل انتصار حق المواطن في العدالة والإنصاف. فالمتقاضي ليس طرفا في الخلاف، ولا ينبغي أن يكون ضحيته.



