طنجة: “قاعة المساري” ذاكرة الصحافة تُخلّد رجل الدولة والقلم ببيت الصحافة
في خطوة تحمل أبعادًا رمزية وثقافية عميقة، أعلن بيت الصحافة بطنجة عن إطلاق اسم محمد العربي المساري على فضاء “بيت الكتابة”، ليصير من الآن فصاعدًا “قاعة محمد العربي المساري”، في التفاتة وفاء لواحد من أبرز الوجوه التي طبعت تاريخ الصحافة والفكر والسياسة في المغرب.
هذا القرار لا يندرج فقط في إطار تسمية فضاء ثقافي، بل يتجاوز ذلك ليُجسد اعترافًا بمسار استثنائي لرجل جمع بين صرامة الصحافة، وعمق الفكر، وحنكة الدبلوماسية. فقد وصف “بيت الصحافة” هذه المبادرة بأنها استحضار لـ”شعاع نبوغ لم ينطفئ”، وسعي لصيانة أثر المساري، واستمرار لرسالة ظل يحملها طوال عقود من العطاء.
ولد محمد العربي المساري في سياق تاريخي حافل بالتحولات، فكان شاهدًا ومساهمًا في آن واحد في بناء الوعي الوطني. برز اسمه داخل المشهد الإعلامي كصحافي ملتزم، حيث تولى مسؤوليات بارزة، من بينها قيادة العمل النقابي كـنقيب للصحافيين المغاربة، مدافعًا عن حرية التعبير ومهنية المهنة في فترات دقيقة من تاريخ البلاد.
غير أن مساره لم يتوقف عند حدود الصحافة، بل امتد إلى العمل السياسي، حيث تقلد مناصب وزارية، وأسهم في تدبير الشأن العام برؤية تستند إلى خبرة ميدانية وفكر تحليلي رصين. كما مثل المغرب دبلوماسيًا في محطات دولية، معبرًا عن قضايا وطنية وإقليمية بروح رجل الدولة المتمكن من أدواته.
وفي المجال الفكري، خلف المساري رصيدًا مهمًا من الكتابات التي تناولت قضايا تاريخية وسياسية، خاصة ما يتعلق بالحركة الوطنية المغربية ونضالها من أجل الاستقلال، فضلًا عن اهتمامه بالقضية الفلسطينية والعلاقات المغربية الإسبانية، وهي مواضيع عالجها بعمق الباحث ووعي المثقف الملتزم.
إطلاق اسمه على “بيت الكتابة” بطنجة ليس مجرد تكريم لشخص، بل هو تثمين لذاكرة جماعية، وتأكيد على أن رموز الفكر والصحافة لا تُخلّد فقط في الكتب، بل أيضًا في الفضاءات التي تُعيد إنتاج القيم التي آمنوا بها. إنها رسالة موجهة للأجيال الجديدة من الصحافيين والكتاب، بأن الإبداع والالتزام يمكن أن يتركا أثرًا يتجاوز الزمن.
وبهذا، تتحول “قاعة محمد العربي المساري” إلى أكثر من فضاء ثقافي؛ إنها معبر رمزي بين الماضي والحاضر، وجسر يربط بين تجربة رائدة وتطلعات مستقبلية، في مدينة مثل طنجة، التي ظلت على الدوام ملتقى للأفكار ومنارة للإبداع.


