الماء الذي وصل في الخرائط و الفاتورات …وغاب عن الصنابير
الحداد حسن المنزلي
ساكنة مداشر طنجة الكبرى وعود الربط ومعاناة العطش
في الوقت الذي قدم فيه مشروع ربط دواوير طنجة الكبرى بالشبكة الوطنية للماء الصالح للشرب باعتباره خطوة تنموية كبرى لتحسين ظروف العيش بالعالم القروي، تعيش فئات واسعة من الساكنة اليوم مفارقة قاسية : الشبكة موجودة،العدادات مركبة، الفواتير تصل بانتظام، لكن الماء نفسه غائب عن الصنابير لأيام طويلة، أو لا يظهر الا لساعات معدودة ثم يختفي من جديد .
المشكل لم يعد فقط في ندرة الماء، بل في الطريقة التي انجزت بها الاشغال، و التي تطرح أكثر من علامة استفهام بسبب ما خلفته من أضرار بالمسالك الطرقية التقليدية داخل الدواوير، فالامطار الأخيرة التي عرفها الإقليم كشفت هشاشة الاشغال المنجزة، بعدما تحولت المقاطع التي تم حفرها لتمرير قنوات الماء إلى خنادق و حفر كبيرة و مسالك شبه مقطوعة، تعرقل تنقل الساكنة و التلاميذ و المرضى و حتى الماشية، مشاريع يفترض أن تحمل الحياة، فإذا بها أحيانا تزيد العزلة و الهشاشة.
الإنسان يطلب الماء، فيحصل على فاتورة و تعميق العزلة. الأكثر غرابة أن عددا كبيرا من الأسر ادت منذ سنة 2023 واجبات الربط كاملة، ومع ذلك لم تستفد فعليا من الخدمة إلى حدود اليوم، بينما تتوصل بشكل منتظم بفواتير الأداء. وفي نفس الدوار او ” الحومة” نجد بعض المنازل تتوفر على الماء بشكل نسبي ، في حين تبقى منازل مجاورة في انتظار التزود لأكثر من 72 ساعة، الاستفادة من الماء الصالح الشرب مرتبط بالموقع الجغرافي للسكن، أي منطق تقني اوعلمي او اجتماعي يمكن أن يفسر هذا التفاوت داخل المجال نفسه ؟؟
السؤال الذي تطرحه الساكنة بمرارة : لماذا تم ربط المداشر بشبكة الماء الصالح للشرب اذا كان الماء نفسه غائبا بشكل دائم ؟؟
وكيف تتحول خدمة حيوية و اساسية إلى مجرد أرقام في التقارير و الاحصائيات، بينما تعيش الأسر يوميا تحت ضغط العطش و البحث عن قطرة ماء ؟
الأخطر أن الانقطاعات المتكررة لا تراعي حتى المناسبات الدينية، و الاجتماعية الحساسة،ففي فترة عيد الأضحى، عرفت عدة دواوير انقطاعا في التزود بالماء، في وقت تكون فيه الحاجة مضاعفة لهذه المادة الحيوية المرتبطة بالنظافة و الصحة و الاحتفال السليم، وفي المقابل، تمنع السلطات المحلية اي محاولة لحفر الابار التقايدية بينما تبدو الجماعات الترابية و الهيآت المنتخبة عاجزة عن إيجاد حلول حقيقية و كأنها تعيش حالة ” العين بصيرة و اليد قصيرة “.
اليوم يشعر جزء من ساكنة العالم القروي المحيط و القريب من طنجة الكبرى بأنهم خارج اولويات السياسات العمومية، و يتساءلون : هل تم ربط الدواوير فعلا لضمان الحق في الماء، أم فقط لتجميل الواجهة و تحسين المؤشرات أمام المؤسسات الوطنية و الدولية؟؟
فالماء الصالح للشرب ليس رفاهية بل حق دستوري و إنساني و صحي، وأحد اهم مؤشرات التنمية و محاربة الفقر و الهشاشة.
ان التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الانابيب المدفونة تحت الارض ،بل بقدرة المواطن على فتح الصنبور و الحصول على الماء الصالح للشرب بشكل منتظم و آمن.
اما الاكتفاء بربط شكلي لا يضمن الاستمرارية و الجودة، فهو لا يصنع تنمية،بل ينتج شعورا عميقة بالحكرة و فقدان الثقة.
ساكنة مداشر طنجة الكبرى اليوم لا تطلب امتيازات، بل تطالب بحق بسيط و طبيعي في زمن نتطلع إلى احتضان أكبر استحقاقات عالميا كأس العالم 2030، ماء يصل إلى البيوت،بدون انقطاع،ودون أن تتحول الفاتورة إلى الشيئ الوحيد الذي يعرف طريقه بانتظام إلى البيوت.



