المغرب ومتلازمة المدينة البدوية والبادية الحضرية
ساكنة مداشر طنجة الكبرى وعود الربط ومعاناة العطش في الوقت الذي قدم فيه مشروع ربط دواوير طنجة الكبرى بالشبكة الوطنية للماء الصالح للشرب باعتباره خطوة تنموية كبرى لتحسين ظروف العيش بالعالم القروي، تعيش فئات واسعة من الساكنة اليوم مفارقة قاسية : الشبكة موجودة،العدادات مركبة، الفواتير تصل بانتظام، لكن الماء نفسه غائب عن الصنابير لأيام طويلة، أو لا يظهر الا لساعات معدودة ثم يختفي من جديد .
*قد يبدو العنوان غريبا للوهلة الأولى، لكنه يلامس تحولا عميقا ومقلقا يعرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة. وبرز بشكل أوضح في العقدين الأخيرين ما قد اسميه ترييف المدن وتمدين البوادي.
ولكن! وللتوضيح، ليس المقصود هنا الانتقاص من أهل البادية، وأنا واحدة منهم، بل الحديث عن اختلال في أنماط العيش والتدبير الذي جعل كثيرا من المدن تفقد جزءا من روحها وتنظيمها، وتعيد إنتاج مظاهر العشوائية والسلوك القروي داخل الفضاء الحضري الذي أنتجه المناطق الصناعية في هوامش المدن و قد نأتي إلى هذا الموضوع لاحقا.
ففي عدد من المدن المغربية، أصبح من العادي رؤية ممارسات كانت مرتبطة تاريخيًا بالبادية، لكن دون نقل قيم التضامن أو الإنتاج التي كانت تؤطرها، وكأننا أخذنا من البادية مظاهرها الخارجية فقط، وتركنا جوهرها القائم على العمل والأرض والاكتفاء.
لكن الأخطر اليوم هو الاتجاه المعاكس، تمدين البوادي نفسها.
فالعديد من القرى والمناطق القروية بدأت تفقد تدريجيا وظائفها الإنتاجية، خاصة في المناطق التي تعاني من قلة التساقطات والجفاف. لم تعد البادية تُنتج كما كانت، بل أصبحت تستهلك أكثر مما تنتج، حتى في أبسط الحاجيات المعيشية. ومن أكثر المؤشرات دلالة، إقبال سكان بعض البوادي على شراء منتجات كانت تزرع تلقائيا قرب البيوت أو في قطع صغيرة من الأرض أو حتى في “المْحبقة” (النعناع، القزبرة، الفلفل الحار“السودانية”، الشيبة وغيرها). وهي منتجات بسيطة وقليلة التكلفة، لكنها كانت رمزا لحد أدنى من الاكتفاء الذاتي.
أما الطامة الكبرى، فقد كشفها عيد الأضحى الأخير بوضوح.
فـ”الشناقة” و”السماسرية”أصبحوا أكثر حضورا من “الكساب” الصغير، واختفى تدريجيا ذلك الفلاح البسيط الذي كان يربي خروفا أو اثنين طوال السنة، يبيع أحدهما ويحتفظ بالآخر، فيحقق توازنا اقتصاديا واجتماعيا داخل محيطه. هذا النموذج القروي الصغير كان يشكل صمام أمان حقيقي، لكنه اليوم يتراجع أمام المضاربة وغلاء الأعلاف وتحول البادية إلى فضاء استهلاكي.
والأكثر إثارة للقلق أن عددا من الأسر القروية لم يعد يربي حتى أضحية واحدة لنفسه طوال العام، رغم عيشه في قلب البادية. وهو ما يجعلها رهينة لأسعار السوق ولهيمنة الوسطاء، ويكشف حجم التراجع الذي أصاب الاقتصاد القروي الصغير.
هنا تبرز أسئلة جوهرية:
كيف يمكن لمشاريع كبرى مثل “المغرب الأخضر” أن تحقق أهدافها، بينما جزء من سكان البادية غير قادر على إنتاج ربطة نعناع أو حولي العيد؟
كيف نتحدث عن الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، في وقت يتراجع فيه دور الإنسان القروي داخل المنظومة الإنتاجية؟
وهل المشكلة في الطبيعة والمناخ فقط، أم أيضا في نموذج تنموي همش الفلاح الصغير لصالح منطق السوق والمضاربة؟
لقد أصبحت البادية المغربية مهددة بفقدان وظيفتها التاريخية كفضاء للإنتاج، تماما كما فقدت مدن كثيرة وظيفتها كفضاء للتنظيم والخدمات. وبين مدينة تتبدّى دون روح حضرية، وبادية تفقد روحها الفلاحية، يجد المغرب نفسه أمام تحولات اجتماعية عميقة تستحق نقاشا حقيقيا، بعيدا عن لغة الأرقام الفضفاضة والشعارات الجوفاء.



