حكومة المنصوري أمام امتحان الثقة… من التحالف الرباعي إلى رهانات مغرب 2030
بقلم : الحداد حسن المنزلي
بين التوجيهات الملكية، وضغط القدرة الشرائية وتقلبات الأسواق، وانتظارات المغرب المنسي، سيكون اختيار الكفاءات ومشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبارين لجدية الالتزامات الحكومية.
مع الإعلان الرسمي عن التحالف الحكومي الرباعي، الذي يجمع حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للاستحقاقات التشريعية بأحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، ينتقل المشهد السياسي المغربي من مرحلة المفاوضات وتوزيع موازين القوة إلى اختبار أكثر صعوبة:
القدرة على تشكيل حكومة منسجمة، وترجمة التوجيهات الملكية والوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين.
فالأغلبية الحكومية ليست مجرد جمع للمقاعد، كما أن الاتفاق بين الأحزاب الأربعة لا يشكل في حد ذاته ضمانة للانسجام أو النجاح. الرهان الحقيقي هو بناء برنامج مشترك يوفق بين المرجعيات الحزبية والالتزامات الانتخابية ومتطلبات المرحلة، ويجعل المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
وفي هذا السياق، لا تبدو الحكومة المقبلة أمام فترة مريحة لترتيب أولوياتها، فالتحديات متراكمة، والانتظارات الاجتماعية مرتفعة، والمعارضة تستعد لممارسة دورها الرقابي والسياسي. لذلك، فإن الاختبار يبدأ منذ اختيار الوزراء والوزيرات، قبل أن تكشف القرارات الحكومية الأولى ومشروع قانون المالية لسنة 2027 عن حقيقة التوجهات المعلنة.
يشكل الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية في 9 أكتوبر 2026 مرجعا أساسيا لتحديد أولويات المرحلة، بما تضمنه من تأكيد على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتحسين نجاعة المؤسسات، وتعزيز التنمية الترابية.
وتقتضي ترجمة هذه التوجيهات الانتقال من المؤشرات العامة إلى النتائج الملموسة: فرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين ظروف عيش المواطنين. فالنمو الاقتصادي يفقد جزءا من أثره الاجتماعي حين لا تنعكس ثماره على الأسر والمجالات التي تحتاج إلى الاستثمار والتجهيز.
وعليه، فإن مسؤولية الحكومة لا تقف عند إعداد برنامج طموح، بل تمتد إلى تحديد الأولويات والآجال والموارد، وإرساء آليات واضحة للتتبع والمحاسبة. فالتوجيهات الملكية لا ينبغي أن تتحول إلى شعارات في البلاغات، وإنما إلى مرجع عملي لتقييم السياسات والميزانيات والنتائج.
تتسلم الحكومة الجديدة ملفات اقتصادية واجتماعية ثقيلة، في مقدمتها غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة النفقات الأساسية. وهي تحديات لا تقاس فقط بمؤشرات التضخم، بل بما تتحمله الأسرة يوميا من نفقات السكن والنقل والطاقة والغذاء والصحة والتعليم.
ويبرز ملف المحروقات باعتباره أحد أبرز مداخل الضغط على الأسر والمقاولات، بالنظر إلى أثر أسعارها في النقل والإنتاج والتوزيع وكلفة السلع والخدمات. ومع تجاوز سعر الغازوال عتبة 16 درهما للتر وفق المعطيات المتداولة بشأن الزيادات الأخيرة، تصبح الحاجة ملحة إلى سياسة أكثر شفافية في تتبع مكونات الأسعار، ومراقبة المنافسة وهوامش التوزيع، وتقييم أثر الضرائب والإجراءات المتخذة على المستهلك النهائي.
كما يستدعي ورش الحماية الاجتماعية مراجعة مدى ملاءمة آليات الدعم ومعايير الاستحقاق مع التحولات التي تعرفها تكاليف المعيشة، حتى لا تتحول المؤشرات المعتمدة إلى عائق أمام وصول المساعدة إلى الفئات التي تحتاج إليها فعلا.
المطلوب ليس وعودا ظرفية، بل سياسة متكاملة تحمي القدرة الشرائية، وتوازن بين الاستقرار المالي والإنصاف الاجتماعي، وتخضع نتائجها للتقييم والمحاسبة.
الأورو والدولار… متغيرات تضغط على حسابات الميزانية:
إلى جانب الضغوط الداخلية، تواجه الحكومة تحديات مرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية وسعر صرف العملات الأجنبية. فقد تراجع الدرهم خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 7 أكتوبر 2026 أمام الأورو والدولار، وفق المعطيات المنشورة بشأن تطور أسعار الصرف.
وتكمن أهمية هذه التطورات في انعكاساتها المحتملة على كلفة الواردات، ولا سيما الطاقة والمواد الأولية والتجهيزات، وما قد يترتب عنها من ضغط على كلفة الإنتاج وبعض الأسعار، فضلا عن تأثيرها في الالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية.
ولا يعني ذلك أن تراجع الدرهم يؤدي آليا إلى ارتفاع جميع الأسعار أو النفقات العمومية بالمقدار نفسه، فالأثر يتوقف على طبيعة الواردات والعقود والأسعار الدولية. غير أن هذه المتغيرات تفرض على الحكومة اعتماد فرضيات مالية واقعية، والاستعداد للصدمات الخارجية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاصها.
وهنا تبرز أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027، باعتباره أول اختبار لمدى استيعاب الحكومة لهذه المخاطر، وقدرتها على الموازنة بين حماية القدرة الشرائية، وتمويل الاستثمار، والحفاظ على التوازنات المالية.
العالم القروي… العدالة المجالية التي لا تحتمل التأجيل:
لا تكتمل قراءة التحديات الاجتماعية دون التوقف عند العالم القروي، الذي شهد خلال العقد الأخير أشكالا متعددة من الاحتجاجات المرتبطة بالخدمات الأساسية والتفاوتات المجالية وصعوبة الولوج إلى فرص التنمية.
إن ما يسمى بـ«المغرب المنسي» لا يحتاج إلى استحضاره عند وقوع الاحتجاجات أو خلال الحملات الانتخابية فحسب، بل إلى إدماجه فعليا في صلب السياسات العمومية. فالعدالة المجالية لا تتحقق بمجرد الإعلان عن مشاريع تنموية، وإنما بطرق تفك العزلة عن الدواوير، ومرافق صحية وتعليمية قريبة وفعالة، وماء صالح للشرب، ونقل لائق، وفرص اقتصادية تحفظ كرامة السكان.
كما أن الإنصاف الترابي يقتضي توجيه الاستثمار العمومي وفق حاجيات المجالات ودرجة الخصاص التي تعانيها، لا الاكتفاء بتوزيع الاعتمادات بمعزل عن الواقع المحلي. ويتطلب ذلك تنسيقا فعليا بين الحكومة والجهات والعمالات والجماعات الترابية، مع إشراك السكان والفعاليات المدنية في تشخيص الأولويات وتتبع الإنجاز.
إن الاحتجاجات الاجتماعية ليست مجرد لحظات توتر عابرة، بل مؤشرات تستوجب الإنصات والتقييم والاستجابة المؤسساتية. ولذلك، ينبغي أن يقاس نجاح الحكومة بما تحققه في المراكز الاقتصادية الكبرى، وبما تحدثه أيضا من تغيير ملموس في القرى والمناطق الجبلية والمجالات التي ما زالت تنتظر فك العزلة وتحسين الخدمات.
رهانات دولية واستراتيجية تتجاوز التدبير اليومي:
تدخل الحكومة الجديدة مرحلة تتأثر فيها الخيارات الوطنية بالتطورات الإقليمية والدولية، من تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى التحولات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية، فضلا عن المستجدات الاقتصادية والسياسية في الدول الأوروبية الشريكة.
وتفرض هذه البيئة تعزيز الأمن الطاقي والغذائي والمائي، وتنويع الشراكات، وتطوير الطاقات المتجددة، وتسريع المشاريع الاستراتيجية، وتقوية الإنتاج المحلي. فاستقلالية القرار الاقتصادي لا تعني الانغلاق، بل تقليص مواطن الهشاشة والقدرة على حماية المصالح الوطنية في عالم سريع التحول.
وتكتسي العلاقات المغربية الإسبانية أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة إسبانيا ضمن الشركاء الاقتصاديين للمملكة. ومن ثم، فإن تدبير الملفات الثنائية يقتضي الجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية وصيانة التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وتظل الوحدة الترابية للمملكة أولوية وطنية ثابتة، تستدعي مواصلة العمل الدبلوماسي وتطوير الدبلوماسية الموازية، بالتوازي مع تعزيز أسس التنمية المستدامة والاستقلالية الطاقية والمائية.
القضاء والتشريع… حماية الحقوق شرط للسلم الاجتماعي:
تنتظر الحكومة الجديدة ملفات مؤسساتية وتشريعية لا تقل أهمية عن التحديات الاقتصادية، وفي مقدمتها ملفات العدالة والقضاء، في ظل عودة المحامين إلى المحاكم في انتظار استكمال المسار التفاوضي بشأن القضايا الخلافية المطروحة.
ويمثل استئناف العمل فرصة لإعادة بناء الحوار، بما يحفظ حقوق المتقاضين واستمرارية المرفق القضائي، ويصون استقلالية المهنة واحترام القانون. فتعطل المحاكم لا يظل شأنا مهنيا، بل يمتد أثره إلى المواطنين والمقاولات والثقة في العدالة.
كما تشمل الأولويات مراجعة مدونة الأسرة، وتطوير المنظومة الصحية والاجتماعية، وتشجيع الاستثمار والتشغيل، وتنظيم الأسواق وتعزيز حماية المستهلك. وهي ملفات تحتاج إلى ترتيب واضح للأولويات، وإلى حوار مؤسساتي مسؤول يوازن بين ضرورة الإصلاح وضمانات الحقوق والاستقرار.
فالسلم الاجتماعي لا يبنى بتأجيل الخلافات، بل بمعالجتها عبر المؤسسات، والإنصات إلى المعنيين، وتطبيق القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المعارضة واختيار الوزراء…: الاختبار يبدأ قبل المائة يوم
في ظل التنافس البرلماني المرتقب، يصعب افتراض أن الحكومة الجديدة ستتمتع بمهلة سياسية مريحة قبل انطلاق المساءلة. ومع تموقع حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار والتجمع الوطني للأحرار في صفوف المعارضة، وفق الخريطة السياسية التي يجري تثبيتها، ينتظر أن يبدأ النقاش بشأن أداء الحكومة منذ عرض برنامجها والتوجهات الأولى لعملها.
غير أن المعارضة المسؤولة لا تختزل دورها في رفع منسوب المواجهة، بل تقاس قدرتها على تقديم البدائل، وتدقيق الأرقام، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، وممارسة اختصاصاتها الدستورية والبرلمانية.
وفي المقابل، لا يجوز للحكومة أن تتخذ من حدة المعارضة ذريعة للتعثر أو لتبرير عدم الوفاء بالوعود.
من هنا، تكتسب عملية اختيار الوزراء والوزيرات أهمية حاسمة. فالأحزاب الأربعة مطالبة بتقديم الكفاءات القادرة على التدبير، والمتمتعة بالنزاهة والخبرة والاستعداد للمحاسبة، لا التعامل مع الحقائب الوزارية باعتبارها مكافآت حزبية أو مجرد امتداد لتوازنات التفاوض.
إن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب شرط لنجاح العمل الحكومي، والانسجام المطلوب لا يعني إلغاء اختلاف المرجعيات، بل القدرة على تدبيرها ضمن برنامج مشترك واضح، يجعل المصلحة العامة سقفا للعمل.
مشروع قانون المالية لسنة 2027…:
هنا ستظهر حنة اليدين
إذا كانت البلاغات السياسية تعكس طموحات الأحزاب، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيكشف كيف ستترجم الحكومة هذه الطموحات إلى اختيارات قابلة للتنفيذ.
فمن خلاله ستتضح الأولويات الفعلية في توزيع الموارد بين الاستثمار العمومي والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتشغيل والبنيات التحتية، كما ستظهر قدرة الحكومة على التوفيق بين تمويل المشاريع الاستراتيجية وحماية القدرة الشرائية والحفاظ على التوازنات المالية.
وسيكون مطلوبا أن تعكس فرضيات الميزانية أثر تقلبات أسعار الصرف والطاقة والمواد الأولية، وأن تتضمن إجراءات قابلة للتقييم بشأن غلاء المعيشة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتقليص الفوارق المجالية، ولا سيما في العالم القروي.
كما أن الاختبار لن يتعلق بحجم الاعتمادات وحده، بل بمدى واقعية الفرضيات، وجودة توجيه الإنفاق، ووضوح الأهداف، وفعالية التنفيذ. فالموازنة ليست وثيقة محاسباتية فحسب، بل تعبير عملي عن أولويات الدولة واختياراتها الاجتماعية والاقتصادية.
ومن خلالها سيبدأ الجواب عن السؤال الذي ينتظر المواطن حسمه:
هل ستتحول الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة، أم ستظل المسافة قائمة بين الخطاب والواقع؟
مغرب 2030 فوق التجاذبات الحزبية:
تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التوجيهات الملكية مع انتظارات اجتماعية مرتفعة، وتحديات اقتصادية ودولية متسارعة، وملفات تشريعية ومجالية تحتاج إلى قرارات واضحة. ولا يكفيها أن تستند إلى أغلبيتها العددية أو أن تعلن عن برنامج طموح، المطلوب هو حكومة متماسكة، واضحة الأولويات، شفافة في تدبيرها، وقادرة على تقديم نتائج قابلة للقياس والمحاسبة.
إن مسؤولية الأحزاب الأربعة تبدأ من اختيار الكفاءات، وصياغة برنامج قابل للتنفيذ، وتحديد آجال الالتزامات، وتوجيه المال العام نحو الأولويات الحقيقية. كما أن مسؤولية المعارضة تتمثل في الرقابة الجادة وتقديم البدائل، بعيدا عن تحويل المؤسسات إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ان مغرب 2030 أكبر من التجاذبات الحزبية، وأسمى من التنافس حول الحقائب الوزارية. إنه مشروع وطني يستدعي الشفافية والكفاءة والنزاهة والمسؤولية، ويضع الصالح العام فوق الحسابات الضيقة.
فالمطلوب ليس أن تنتصر الأحزاب في مفاوضات تشكيل الحكومة، ولا أن تحقق المعارضة مكاسبها من حدة المواجهة، المطلوب أن ينتصر المغرب، وأن يلمس المواطن أثرا حقيقيا للسياسات العمومية في قدرته الشرائية، وخدماته الأساسية، وفرص الشغل المتاحة أمام أبنائه، وعدالة التنمية بين جهاته وأقاليمه.
مغرب 2030 أولا، والشفافية والكفاءة والنزاهة والمسؤولية والصالح العام دائما.



