المنزلة تدخل «غينيس» التغطيات الإعلامية… من يخدم ملف الطرق، ومن يوظف معاناة الساكنة؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
بين اتفاقيتين للطرق والمسالك القروية وإنزال إعلامي متزامن، أسئلة مشروعة حول التوقيت، ومصداقية المعطيات، وحدود الترافع عن المصلحة العامة
لم تعد المنزلة، خلال الأيام الأخيرة، حاضرة في المشهد الإعلامي بسبب معاناة ساكنتها مع المسالك الطرقية فحسب، بل بسبب حجم التغطيات الإعلامية التي توافدت على المنطقة، حتى بدا، على سبيل المفارقة، وكان الدوار ينافس على رقم قياسي في موسوعة غينيس من حيث عدد الكاميرات والمنابر التي تناولت الموضوع في فترة زمنية وجيزة. والطريف في الأمر أن الطريق التي تحتاج إلى أن تصل إلى الساكنة، وصلت إليها الكاميرات من مختلف الاتجاهات!
لكن وراء هذه المفارقة سؤالا أكثر جدية من المزاح: لماذا هذا الحضور الإعلامي المكثف والمتزامن في هذا التوقيت بالذات؟ وما الذي يجعل ملفا طرقيا واحدا يستقطب هذا الاهتمام الواسع، بالتزامن مع لقاء تشاوري رسمي انعقد بعين دالية، في وقت تواجه فيه البلاد انشغالات اجتماعية واقتصادية لا تخفى على أحد؟
إن مشروعية المطالبة بالطرق وفك العزلة لا تحتاج إلى دفاع، ومعاناة المواطنين تستحق التغطية والإنصات. غير أن فهم ما جرى يقتضي العودة إلى المعطيات المرتبطة بالاتفاقيتين الخاصتين بالطرق والمسالك القروية، إذ تفيد المعلومات المتوفرة بأنهما استوفتا المساطر القانونية والمالية، ولم يتبق، بحسب هذه المعطيات، سوى الإعلان عن الصفقتين. كما أن توقف بعض المشاريع خلال فترة الاستحقاقات التشريعية ارتبط، وفق التفسير المتداول، بتفادي استغلالها انتخابيا من طرف الجهات المتنافسة.
إذا كانت هذه المعطيات دقيقة، فإن الأمر يطرح سؤالا مشروعا: هل نحن أمام ملف تنموي ينتظر استكمال إجراءاته الإدارية، أم أمام قضية أعيد تقديمها إعلاميا بطريقة توحي بأن أبواب الحل مغلقة؟ وما الإضافة التي قدمتها التغطيات المتزامنة إلى معرفة الرأي العام بحقيقة الملف، مقارنة بما كان يمكن أن تحققه اتصالات مهنية بالجهات الوصية، والتحقق من مآل الاتفاقيتين، وتحديد ما تبقى من إجراءات وآجال؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة حين نضع التزامن في سياقه. فبحسب الرصد المتاح إلى حدود الآن، انتقلت أغلبية المنابر الإعلامية الإلكترونية إلى عين المكان، كما شملت التغطية الإعلام العمومي. وسبقت هذا الحضور، وفق معطيات متداولة تحتاج إلى التحقق، تسجيلات صوتية تضمنت دعوات إلى وقفة احتجاجية تتزامن مع وجود الإعلاميين، وتوجيهات بشأن كيفية التحاور معهم وضبط الشعارات.
هذه الوقائع، إن تأكدت من حيث مضمونها وتسلسلها، تستحق البحث والتدقيق. فمن حق الصحافة أن تتلقى الدعوات وأن تغطي الاحتجاجات، ومن حق المواطنين أن يوصلوا مطالبهم إلى الرأي العام. لكن من حق الجمهور أيضا أن يعرف ما إذا كان هذا التزامن نتيجة مبادرات صحفية مستقلة، أم ثمرة تعبئة منسقة، ومن بادر إليها، وما الغاية منها. فالتزامن وحده لا يثبت وجود جهة محركة، مثلما أن تعدد الكاميرات لا يضمن، في حد ذاته، اكتمال الحقيقة.
ومن النقاط التي تستوجب التوضيح أيضا ما راج من اتهامات بشأن مسؤولية جهة معينة عن تعثر الملف. فإذا كان الحسم في الموضوع يقتضي التمييز بين مراحل الاتفاقيات، والإجراءات المالية، والإعلان عن الصفقات، فإن المهنية تفرض العودة إلى الوثائق الرسمية بدل اختزال مسار إداري معقد في اتهام مباشر قد لا يعكس حقيقة الوضع. فالمطلوب ليس الدفاع عن جهة أو مهاجمة أخرى، بل تحديد المسؤوليات على أساس الوقائع.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أثر الخطاب الإعلامي حين يتجه إلى رفع منسوب الاحتقان في منطقة لا تختزل مطالبها في الطريق وحده. فالاحتجاج على تعثر مشروع لا يعني بالضرورة أن السلم الاجتماعي مهدد، كما أن كثافة التغطية لا تكفي لإثبات وجود احتقان واسع بين السكان. وينبغي التمييز بين معاناة حقيقية تستوجب المعالجة، وبين صورة إعلامية قد تضخم حجم التوتر أو تمنحه أبعادا لا تسندها معطيات ميدانية مستقلة.
وتزداد مسؤولية الجميع في ظرف اجتماعي دقيق، يتسم بضغط غلاء المعيشة وتكاليف المحروقات وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب أعباء الدخول المدرسي والاستعداد لموسم الأمطار وما يطرحه من حاجيات للبنيات التحتية والوقاية من المخاطر. وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال عن أثر التعبئة الإعلامية على الثقة في المؤسسات والسلم الاجتماعي سؤالا مشروعا. فهل تساعد هذه التعبئة على تقريب الحلول وتسريع المشاريع، أم أنها تفتح المجال لتأويلات وصراعات قد تحجب جوهر المشكلة؟
أما ساكنة المنزلة، فليست في حاجة إلى من يكتشف معاناتها أمام الكاميرات، ولا إلى من يتحدث باسمها دون أن ينصت إلى مجمل مطالبها. إنها تدرك أهمية الطريق الرابطة بين المنزلة والصفصافة، والمسلك الطرقي بالدوار، وتثق في أن الملف يمكن أن يوضع على سكة الإنجاز، استنادا إلى المعطيات المتعلقة بالاتفاقيتين، وإلى ثقتها في تفاعل والي جهة طنجة تطوان الحسيمة مع القضايا التنموية المشروعة للساكنة.
وتشهد تجربة المنطقة على تغليب المصلحة العامة في محطات متعددة، من القبول بشق الطريق الإقليمية عبر أراضيها إلى تحمل أضرار مرتبطة بمحيط المطرح. ولذلك، فإن انتظاراتها لا تتوقف عند الطريق، فهي تتطلع أيضا إلى تسهيل الحصول على الشواهد الإدارية وتراخيص البناء، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بالتحديد الإداري بين الجماعة السلالية والمياه والغابات، وتوسعة المجال الحيوي للدوار وفق القوانين الجاري بها العمل.
وهنا يبرز السؤال السياسي الذي لا ينبغي تحويله إلى اتهام مسبق: هل يمكن أن تكون نتائج الانتخابات التشريعية بقرى طنجة تيك قد خلفت خيبة أمل لدى أطراف كانت تتوقع نتائج مختلفة، وأن يكون هذا التحرك مقدمة مبكرة للتنافس المرتبط باستحقاقات 2027؟ لا تسمح المعطيات المتوفرة بالجزم بذلك، لكن التزامن يستدعي التحقق من الخلفيات، والتمييز بين الترافع المشروع عن التنمية وأي توظيف سياسي محتمل لمعاناة المواطنين.
إن المعيار الحقيقي لنجاح التغطية ليس عدد الكاميرات التي تصل إلى الدوار، ولا حجم الضجيج الذي يرافقها، بل مقدار الحقيقة التي تنقلها، ومدى استماعها إلى جميع الأطراف، وقدرتها على التمييز بين الوقائع والاتهامات والتأويلات. كما أن معيار نجاح الترافع ليس رفع منسوب الاحتقان، بل المساهمة في حل المشكلات وتوضيح المسؤوليات وتسريع الإجراءات.
في النهاية، لا تحتاج المنزلة إلى رقم قياسي في التغطيات بقدر حاجتها إلى نتائج ملموسة على الأرض. والسؤال الذي يبقى معلقا ليس من حضر إلى الدوار فقط، بل لماذا حضر الجميع في هذا التوقيت، وما الذي تغير في الملف، ومن المستفيد من تحويله إلى قضية بهذا الحجم الإعلامي؟ أسئلة لا يجيب عنها التخمين، وإنما الوثائق، والتحقق المستقل، والشفافية في عرض الحقيقة كاملة.


