احتجاج بلا محتجين في المنزلة… وأسئلة ما قبل انتخابات 2027
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من الضجة الإعلامية يوم 10 أكتوبر إلى المعاناة الحقيقية للساكنة: حين تتقدم انتقائية الملفات على أولويات التنمية والعدالة المجالية
من لقاء تشاوري إلى ضجة إعلامية
عقب اللقاء التشاوري المنعقد بمنطقة عين دالية يومي 7 و8 أكتوبر، بشأن المسالك الطرقية وفك العزلة عن عدد من مداشر جماعة سبت الزينات، جرى تداول معطيات مغلوطة حول الملف، أعقبتها رسائل صوتية تدعو إلى الاحتجاج بمدشر المنزلة يوم السبت 10 أكتوبر، تزامنا مع حضور عدد مهم من المنابر الإعلامية. غير أن الوقفة التي جرى الترويج لها لم تتحقق بالصورة المنتظرة، ما يطرح أسئلة حول خلفيات التعبئة، والجهة التي دعت إليها، وأسباب تركيز الاهتمام على المنزلة دون غيرها من المداشر الأكثر عزلة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الحضور الإعلامي اقترن باستقدام أشخاص للتصريح وانتقاد تدبير الجماعة، بينما لم تحظ ملفات أساسية تعاني منها الساكنة بالاهتمام نفسه. ومع اقتراب الانتخابات الجماعية لسنة 2027، وبعد نتائج تشريعية لم تلب، بحسب ما يبدو، انتظارات بعض الفاعلين و الجهات ، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المطالب الاجتماعية تستحضر لذاتها أم يجري توظيف بعضها في حسابات انتخابية مبكرة. فالدفاع عن حق المواطنين في الاحتجاج أمر مشروع، لكن انتقاء بعض الملفات وتغييب أخرى، مع تعبئة إعلامية مكثفة، يستدعي قراءة متأنية لما جرى.
أولا: الحق في الأرض والسكن والاستقرار:
تبدأ معاناة المنزلة من إشكال أعمق من الطريق. فالمدشر من المداشر المحصورة غابويا Enclave، وقد عرف نموا ديمغرافيا ملحوظا وعودة أسر إلى الاستقرار فيه، بالتزامن مع التوسع العمراني لطنجة وزحف المناطق الصناعية والاستثمارات نحو محيطه. ومع ذلك، ظل مجاله الحيوي محكوما بحدود التحديد الإداري للمياه والغابات لغاية سيدي المنصار، بما يطرح بإلحاح ضرورة التفكير في توسيع المجال الحيوي للمدشر وتسوية الوضعيات العقارية وفق القانون.
ولا يتعلق الأمر بالتحديد الإداري وحده، الذي ضم الأراضي السلالية وأراضي الأوقاف والأملاك الخاصة، في ظل وضعيات تقيد انتفاع عدد من الأسر بأراضيها، وتعرقل حصولها على الشواهد الإدارية وشواهد التجزيء ورخص البناء. وتتوفر لدينا أدلة بشأن إشكالات التحديد الإداري، وما ترتب عنها من منع فلاحين من حرث أراض موروثة عن آبائهم وأجدادهم، فضلا عن الغرامات والمتابعات المرتبطة بهذه الملفات.
إن المطلوب ليس تجاهل القانون أو المساس بحماية الملك الغابوي، بل إيجاد حلول مؤسساتية تنصف المواطنين، وتوضح الوضعيات القانونية للأراضي، وتعالج التداخل بين أنظمة الملكية المختلفة. فاستمرار هذه الإشكالات دون تسوية لا يحمي السلم الاجتماعي، بل يراكم أسباب الاحتقان ويعمق شعور الساكنة بالتهميش.
وتتجلى المفارقة الاجتماعية في وضع عشرات الشباب الذين استقلوا ماديا واقتصاديا، فمنهم من يتوفر على عمل قار، ومنهم من يمارس الفلاحة أو تربية الماشية، لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن الزواج والاستقلال السكني بسبب تعذر استخراج الشواهد اللازمة لإخراج أنصبتهم من الأراضي والحصول على رخص البناء. كيف يمكن لشاب قادر على إعالة أسرة أن يؤسس بيتا مستقلا، بينما تظل أبسط شروط الاستقرار رهينة وضعيات عقارية وإدارية لم تجد طريقها إلى الحل؟
إنها معاناة تتجاوز العقار والإدارة إلى الحق في السكن وتأسيس الأسرة والعيش بكرامة. وهي من الملفات التي تستحق أن تكون في صدارة أي نقاش جدي حول مستقبل المنزلة، بدل أن تظل بعيدة عن الأضواء إلى أن تتحول إلى عنوان لتعبئة ظرفية.
ثانيا: المطرح العمومي وأراض فقدت صلاحيتها للزراعة والرعي،
لا تتوقف معاناة الساكنة عند حدود التحديد الإداري. فالمطرح العمومي خلف أضرارا بيئية طالت أراضي خاصة مجاورة له، وأصبحت هذه الأراضي، وفق المعطيات المتوفرة لدينا، غير صالحة للزراعة والرعي، بما يمس مصادر عيش أصحابها ويجعل مطالب التعويض والمعالجة البيئية مطالب مشروعة تستوجب الإنصاف.
إن حماية البيئة وحقوق ملاك الأراضي المتضررة ليست ملفات ثانوية، ولا يجوز أن تضيع وسط النقاش حول تدبير النفايات أو المشاريع المرتبطة بها. والمطلوب هو معالجة الأضرار البيئية والنظر في مطالب المتضررين وفق المساطر القانونية، دون الخلط بين الأضرار البيئية وأي ادعاءات صحية غير مثبتة.
ثالثا: الماء والإنارة والأمن والصحة
في مجال الماء الصالح للشرب، تعاني أسر من انقطاعات متكررة، فيما لا تصل الخدمة إلى عدد من المنازل رغم أداء أصحابها واجبات الربط. وهي وضعية تستوجب تدخلا من الجهات المعنية، لأن أداء المواطن لواجباته يفترض أن يقابله تمكينه من الخدمة المطلوبة.
أما الإنارة العمومية، فما زالت منعدمة في المدشر. ويثير الوضع الأمني بدوره مخاوف الساكنة بسبب سرقة المواشي في عدد من مداشر سبت الزينات، وحوادث السرقة والاعتداء على مستعملي الطريق الإقليمية رقم 4607، وفق الشكايات والمعطيات المتداولة محليا، وهي وقائع تستوجب التحقق والتدخل لحماية السكان وممتلكاتهم.
وفي المجال الصحي، تفتقر مداشر مجاورة للمنزلة، سواء بجماعة سبت الزينات أو بجماعة حجر النحل، ومنها سكدلة والمضيار، إلى مستوصف قريب. ويضاعف ذلك معاناة النساء الحوامل والمرضى والمسنين، الذين يضطرون إلى قطع مسافات للوصول إلى الخدمات الصحية. إنها فجوة مجالية تمس الحق في الولوج إلى العلاج، وتتطلب تخطيطا يأخذ بعين الاعتبار المسافة وصعوبة التنقل وحاجات السكان.
رابعا: الشباب والتعليم ومرافق القرب
تظهر المفارقة كذلك في مجال الرياضة والترفيه. فشباب المنزلة يوجهون إلى ملاعب القرب بدوار كوارث أو بوكدور، بينما لا تتوفر المنزلة والمداشر المجاورة بسبت الزينات، ولا عدد من مداشر حجر النحل في الجهة الغربية، على ملاعب للقرب تستجيب لحاجات الشباب. والحق في فضاءات رياضية ليس تفصيلا ثانويا، بل جزء من شروط الإدماج الاجتماعي وتوفير فضاءات آمنة للشباب.
وفي التعليم، يطرح الهدر المدرسي بدوره سؤالا مقلقا، إذ لا يستكمل أبناء المنطقة دراستهم. وفي المقابل، يتابع عدد من تلاميذ المدشر وطلبته تعليمهم العتيق في خميس أنجرة وزرارع، بينما يتوجه آخرون إلى مؤسسات بمدينة طنجة.
فلماذا لا يدرس إحداث مؤسسة للتعليم العتيق بالمنزلة، تستثمر المكانة التاريخية لمسجدها الذي عرف في الماضي بالتعليم، وتفتح أبوابها أمام أبناء القبائل المجاورة؟ إنها فكرة تستحق الدراسة الجدية، وفق الشروط القانونية والتربوية اللازمة، بما يسهم في تقريب التعليم من الأسر وتعزيز الإشعاع العلمي للمنطقة.
خامسا: الطريق بين الحاجة الحقيقية وانتقائية التناول ،
لا أحد ينكر أهمية فك العزلة وتحسين المسالك الطرقية، ولا يحق التقليل من معاناة المواطنين الذين يطالبون بحقهم في طرق آمنة ومعبدة. لكن الإنصاف يقتضي وضع ملف المنزلة في سياقه، ومقارنته بوضع مداشر سبت الزينات الأكثر عزلة، ومنها البيبان ودار اللماعي والروييف والقزموري وصفصافة، التي تأثرت بتوسع منطقة طنجة تيك وسياجها، ولا تزال تعاني من ضعف الولوج إلى الطرق المعبدة.
فخط الحافلة I14 يصل إلى المنزلة وأولاد زيان، لكنه لا يصل إلى عدد من المداشر المجاورة بسبب غياب الطرق المعبدة. وهذه المفارقة تؤكد أن العدالة المجالية لا تتحقق باختيار مدشر واحد عنوانا إعلاميا، بل بترتيب الأولويات وفق حجم الحرمان وحاجات السكان وعدد المستفيدين.
أما بخصوص مشروع الطريق، فقد جرى الحديث عن اتفاقيات ومساهمات مالية وإجراءات تمهيدية. ووفق المعطيات التي نتوفر عليها، ساهمت جماعة المنزلة بمبلغ 40 مليون سنتيم، فيما ينتظر استكمال المسار المؤدي إلى الإعلان عن طلبات العروض. لذلك ينبغي إطلاع الرأي العام على الوضعية الفعلية للمشروع، وما أُنجز وما تبقى، بدل تداول اتهامات بشأن مساهمة الجماعة دون تقديم معطيات دقيقة. فالتمييز بين الاتفاقيات والدراسات والإجراءات المالية من جهة، والانطلاق الفعلي للأشغال من جهة أخرى، ضرورة لحماية حق المواطنين في المعلومة.
انتقائية الملفات تطرح سؤال انتخابات 2027
إن ما يثير الانتباه في هذه الواقعة ليس مجرد الدعوة إلى الاحتجاج أو الحضور الإعلامي المكثف، بل انتقائية الملف الذي جرى تسليط الضوء عليه. فقد انصب التركيز على المسالك الطرقية وربط النقاش بجماعة المنزلة، مع أن مساهمة الجماعة المالية في مشروع الطريق لا تعني أنها صاحبة الاختصاص المنفرد في مختلف مراحله. وفي المقابل، غابت عن المشهد ملفات التحديد الإداري للمياه والغابات، وتداخل الأراضي الغابوية والسلالية وأراضي الأوقاف والخواص، وتوسعة المجال الحيوي للمدشر، والأضرار البيئية للمطرح، وتعقيدات الشواهد الإدارية ورخص البناء، فضلا عن غياب الخدمات الصحية. وهي قضايا تمس صميم حياة الساكنة، لكن معالجتها تقع، في معظمها، خارج الاختصاص المباشر للجماعة أو تتطلب تدخل مؤسسات أخرى.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا جرى التركيز على الطريق والجماعة، بينما لم تحظ بقية القضايا بالاهتمام نفسه؟ إن هذا التفاوت بين حجم المعاناة الحقيقية وانتقاء ملف واحد لربطه بالجماعة يثير شبهة توظيف الملف الطرقي في حسابات انتخابية، خصوصا مع اقتراب انتخابات 2027. ولا نجزم بالنوايا، لكن السياق و استدعاء الاشخاص للقاء التشاوري وطريقة اختيار الملفات يفرضان مساءلة مشروعة: هل كان الهدف الترافع عن التنمية الشاملة، أم استثمار ملف تدخل الجماعة في جزء من تمويله لتوجيه الانتقاد إليها، مع ترك ملفات أعمق وأكثر تعقيدا خارج دائرة النقاش؟
إن الترافع الحقيقي عن الساكنة لا ينتقي من معاناتها ما يخدم مواجهة سياسية محتملة، بل يضع جميع مطالبها أمام الرأي العام، ويحدد مسؤولية كل جهة واختصاصها، ويطالب بحلول قابلة للتنفيذ. أما حصر النقاش في الطريق، وتغييب الأرض والسكن والماء والصحة والتعليم والأمن، فلا يقدم صورة كاملة عن واقع المنطقة، ولا يخدم مصالح سكانها.
الكرة تتدحرج… والساكنة تحتاج إلى حلول
إن الملفات التي عرضناها ليست وليدة يوم واحد، بل هي تراكمات تمس الأرض والسكن والماء والتعليم والصحة والأمن و تقريب الإدارة والبيئة. وقد أظهرت تجارب عديدة في المغرب أن العالم القروي، أو ما يسمى بالمغرب المنسي، كان منطلقا لتحركات اجتماعية طالبت بالخدمات الأساسية والعدالة المجالية. فالاحتقان يشبه كرة الثلج: يبدأ صغيرا، ثم يتضخم كلما تأخرت الحلول وغابت المعلومة وتراجعت الثقة.
لذلك، فإن معالجة هذه الملفات لا تحتمل الانتظار إلى حين بروز أزمة أو حلول موسم انتخابي جديد. المطلوب هو تسوية الإشكالات العقارية، وتوسيع المجال الحيوي للمدشر وفق القانون، ومعالجة الأضرار البيئية، وتحسين الخدمات الأساسية، وإحداث مرافق تستجيب لحاجات الشباب والأطفال، إلى جانب تسريع مشاريع فك العزلة عن جميع المداشر المتضررة.
فالمنزلة لا تحتاج إلى ضجة عابرة، بل إلى حلول ملموسة، وشبابها لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم في لحظة انتخابية بقدر ما يحتاجون إلى حقهم في الأرض والسكن والاستقرار والعيش الكريم.
عرس بلا مواليه، واحتجاج بلا محتجين!
لكن وراء الضجة ملفات حقيقية لا يجوز أن تبقى معلقة، وساكنة تستحق أن يسمع صوتها في كل الأيام، لا حين تصبح معاناتها مادة للتنافس أو الاستقطاب.


