المنزلة: المزاد العلني لأراضي وقف الطلبة.. ذاكرة علمية ودينية تمتد عبر القرون
بقلم : الحداد حسن المنزلي
تقليد سنوي متوارث يجسد مكانة العلم والمسجد العتيق في تاريخ جبالة.
شهد مدشر المنزلة، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، تنظيم المزاد العلني السنوي لكراء الأراضي الفلاحية المخصصة لوقف طلبة حفظة القرآن الكريم، في تقليد متوارث يعكس عمق ارتباط الساكنة بموروثها الديني والعلمي، ويستحضر مكانة العلم في تاريخ المنطقة عبر الأجيال.
وشملت العملية 28 بقعة أرضية فلاحية موقوفة على طلبة العلم وحفظة القرآن الكريم، جرى عرضها للكراء بعد صلاة الجمعة، تحت إشراف وكيل طلبة حفظة القرآن الكريم بمدشر المنزلة، بمساعدة عدد من القائمين على تنظيم هذه العملية السنوية.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة، بالنظر إلى ما سبقها من معركة قضائية من أجل استرجاع جزء من أراضي الوقف التي تعرضت للترامي، وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه. وبعد استعادة هذه الأراضي، أشرف وكيل طلبة حفظة القرآن الكريم على تنظيم المزاد العلني، في خطوة تجسد أهمية صون الأملاك الوقفية وحمايتها، وضمان استمرار توظيفها في الغاية التي أُوقفت من أجلها، خدمة لطلبة العلم وحفظة كتاب الله، ووفاءا لشروط الواقفين.
الوقف بالمنزلة.. حين ارتبطت الأرض بخدمة العلم
لا تقتصر أهمية هذا الوقف على كونه تقليدا سنويا لتدبير الأراضي الفلاحية، بل تكمن دلالته الأعمق في ما يجسده من مكانة العلم في تاريخ المنزلة، حيث ارتبطت الأرض بخدمة طلبة القرآن الكريم، وأسهم ريعها في استمرار الأنشطة الدينية، في نموذج يعكس دور الوقف في دعم المؤسسات الدينية وصيانة رسالتها عبر الزمن.
وقد شكل المسجد العتيق بالمنزلة، وفق ما توارثته الذاكرة المحلية، منارة للعلم ومقصدا لطلبة القرآن والفقه من مختلف مناطق جبالة والقبائل المجاورة، لاستكمال مسارهم العلمي في علوم اللغة والفقه والتشريع. ولم يكن المسجد فضاءا للعبادة فحسب، بل مؤسسة علمية واجتماعية أسهمت في تكوين أجيال من الفقهاء والأئمة والعدول والأساتذة.
وتحفظ ذاكرة الأجداد والآباء تعبيرا متداولا يلخص هذا الإشعاع:
«أينما ذهبت تجد منزلي»، في إشارة إلى حضور فقهاء من أبناء المنزلة في مساجد مناطق وقبائل مجاورة، حيث تولوا الإمامة والتعليم الديني. كما برز من أبناء المنزلة عدول تولّوا توثيق المعاملات بمناطق مختلفة، في امتداد لإشعاعهم العلمي ومكانتهم في المجتمع.
وهكذا، ارتبط اسم المنزلة بالعلم والتوثيق والثقة، وأسهم مسجدها العتيق في ترسيخ قيم دينية واجتماعية جعلت منطقة جبل الحبيب السفلى حاضرة في الذاكرة المحلية باعتبارها فضاءا للعلم والأمن والأمان.
ريع الوقف.. وفاء لشروط الواقفين واستمرار للرسالة
يخصص ريع أراضي وقف الطلبة لإحياء ذكرى عيد المولد النبوي الشريف وليلة القدر المباركة بالمسجد العتيق ومسجد غرف التبن، فضلا عن الترحم على أصحاب الوقف، وفاءا لشروط الواقفين الذين جعلوا من ممتلكاتهم وسيلة لخدمة الدين وأهله، وحافظت الساكنة على هذا المقصد عبر الأجيال.
إن استمرار هذا العرف الوقفي يفرض أهمية الحفاظ عليه وتثمينه وحمايته، باعتباره جزءا من الذاكرة العلمية والدينية للمنزلة، وشاهدا على مرحلة ارتبط فيها تدبير الأرض بخدمة العلم واستمرار رسالة المسجد. فصون هذا الموروث لا يقتصر على المحافظة على الأراضي الموقوفة، بل يشمل أيضا توثيق تاريخها وأهدافها، والتعريف بها لدى الأجيال الحاضرة والقادمة، بما يضمن استمرارية هذا التقليد وإشعاعه.
إن المنزلة، بما تختزنه من ذاكرة علمية ووقفية، تستحق أن ينظر إلى هذا الموروث باعتباره رصيدا ثقافيا واجتماعيا جديرا بالتعريف والصيانة، حتى تظل صلة الأرض بالعلم، والوقف بخدمة المجتمع، حاضرة في وجدان الأجيال، وتبقى رسالة الواقفين ممتدة في خدمة كتاب الله وأهله.
وفي ختام هذه المناسبة، رفع الفقهاء والحاضرون أكف الضراعة إلى الله تعالى، بالدعاء لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حامي حمى الملة والدين، بأن يحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويمن عليه بالشفاء، ويقر عين جلالته بما فيه خير الدين والوطن. كما دعوا الله أن يديم على المملكة المغربية نعمة الأمن والاستقرار، ويحفظ المساجد وأهل القرآن، ويجزي الواقفين والمحسنين خير الجزاء، ويتغمد برحمته أصحاب هذا الوقف الذين خلفوا أثرا ممتدا في خدمة كتاب الله وأهله.



