ملاعب القرب بطنجة.. حينما يتحول “الريع الرقمي” إلى طعنة في ظهر “صفر انقطاع” لوزارة المنصوري
بقلم : الحداد حسن المنزلي
ملاعب القرب ومحيط المؤسسات ذات الداخليات بطنجة.. حينما يهدد “الريع والإنفلات” مستقبل الفتيات في التعليم الآمن
في الوقت الذي تشهد فيه طنجة الكبرى مجهودات حثيثة لتهيئة البنيات التحتية وهيكلة ملاعب القرب ورقمنة تدبيرها عبر برنامج “ملاعب الخير” لإنهاء العشوائية، تظهر الحاجة ملحة لفتح نقاش استباقي عقلاني رصين حول حدود هذا الانفتاح ومستويات تقاطعه مع حرمة المرفق التربوي. إن التفكير في فتح الملاعب الرياضية المتواجدة داخل الأسوار التعليمية التي تحتضن “أجنحة داخليـة ومطاعم مدرسية” أمام العموم ليلا، يحمل في طياته مخاطر سوسيولوجية ونفسية جسيمة قد تؤدي، دون قصد، إلى ضرب أحد أهم المكتسبات الوطنية: وهو الحق في التعليم الآمن والحد من الهدر المدرسي للفتيات.
ولعل ما يزيد من مشروعية هذا النقاش أن طنجة الكبرى عرفت مؤسسات تعليمية كانت تضرب بها الأمثال في المردودية التربوية وجودة التدبير الإداري والتجهيزات والأنشطة الموازية.
وهي مكتسبات كان الأولى تطويرها والاستثمار فيها، لا تركها عرضة للتراجع. فالمؤسسة التعليمية فضاء متكامل للتربية والتنشئة، وجودته تؤثر مباشرة وغير مباشرة في التوازن النفسي والاجتماعي والتحصيل الدراسي للتلاميذ. وإذا كانت هناك إرادة لتأهيل ملاعب القرب وتهيئتها وربطها بالإنارة ورقمنة تدبيرها، فلماذا لا تستثمر الإرادة نفسها في تطوير الملاعب والفضاءات الرياضية داخل المؤسسات التعليمية؟ ولعل ما يتردد في بعض صالونات طنجة الكبرى، من قبيل “كيف كنتي، وكيف وليتي” ، يستحق أن يكون جرس إنذار يدعو إلى تقييم مسار بعض المؤسسات وحماية مكتسباتها، دون استهداف أشخاص أو جهات بعينها.
التناقض الصارخ: طموح “صفر انقطاع” في مواجهة الانفلات الواقعي
يأتي هذا الوضع المقلق في وقت تراهن فيه الدولة، وفق المرتكزات الإستراتيجية للبرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري، على تحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول عام 2030. وتعتمد هذه الخطة الهيكلية على مقاربة وطنية مندمجة ترتكز أساسا على الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بالانقطاع، وتتبع مساراتهم فرديا بآليات مؤسساتية، وتوجيه من انقطع منهم نحو بدائل ملائمة لإعادة إدماجهم في النسيج السوسيو-اقتصادي والتعليمي.
لكن، أمام هذه الرؤية السياسية والاجتماعية الواعدة، يبرز تساؤل استنكاري حارق يفرض نفسه كمرجع لتقييم السياسات العمومية محليا: ما الجدوى من الاستثمار المالي واللوجيستيكي الضخم لمحاربة الهدر المدرسي، وتوفير مؤسسات تعليمية مجهزة بداخليات ومطاعم مخصصة لاستقطاب المتفوقين والمتفوقات و تلاميذ الجماعات الترابية البعيدة في تخصصات نادرة، بينما يسمح في المقابل برخص وتجاوزات تهدم هذه الجهود من القواعد؟ ففي مفارقة غريبة، ترخص السلطات بجوار هذه المؤسسات التعليمية الحيوية لمقاهي الشيشة اومحلات ألعاب “الغولفزور” التي تشكل بؤرا للاستدراج، وتكتمل الطامة الكبرى بفتح الملاعب الرياضية الداخلية لهذه المؤسسات بعد تأهيلها أمام الغرباء ، مما يضرب الأمن التربوي في مقتل.
الغطاء القانوني والحقوقي: خرق صريح للالتزامات والتشريعات الوطنية
إن هذا الوضع لا يشكل مجرد إزعاج عابر، بل يعد خرقا صريحا للمرجعيات القانونية المؤطرة للمنظومة التربوية بالمغرب، إذ ينص القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وخاصة في مبادئه التوجيهية، على إلزامية توفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة تضمن تكافؤ الفرص وتصون كرامة المتعلمين. كما أن هذا التداخل مع الغرباء يتنافى جملة وتفصيلا مع مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي يعطي الأولوية القصوى لحرمة المؤسسة التعليمية وحمايتها من كل المؤثرات الخارجية التي تشوش على رسالتها النبيلة.
علاوة على ذلك، فإن السماح بهذه الأنشطة العشوائية بمحاذاة الداخليات يضرب في الصميم التزامات المغرب الدولية والوطنية المتعلقة بـاتفاقية حقوق الطفل والدستور المغربي الذي ينص على ضمان الحق في السلامة الجسدية والنفسية لكل المواطنين والمواطنات، وخصوصا فئة الأطفال والشباب في طور التمدرس.
عمارات شاهقة فوق “فوهة” الصخب الليلي: تلوث سمعي يمتد لـطوابق
لا يختلف اثنان على أن من حق كل أسرة أن تنعم بالهدوء والراحة ليلا، بعيدا عن الضجيج والإزعاج، وهو حق تكفله ضوابط السكن والتعمير وقواعد الجوار .
لكن، حينما يقام ملعب للقرب داخل مؤسسة تعليمية تحيط بها عمارات عملاقة تفوق سبعة طوابق، فإن الهندسة المعمارية للمكان تتحول تلقائيا إلى مضخم صوت طبيعي “Amplificateur” يضاعف من حدة الضوضاء ويوجهها نحو الأعلى.
إن الأسر القاطنة في هذه الطوابق المرتفعة، المطلة مباشرة على ساحات المؤسسات التعليمية ، باتت تعيش جحيما يوميا يبدأ مع غروب الشمس ولا ينتهي إلا في ساعات متأخرة من الليل. صراخ مستمر، صفارات حادة، وارتطام قوي للكرات، ناهيك عن الألفاظ النابية والكلام الساقط الذي يتردد صداه داخل غرف نوم العائلات، مفسدا تربية الأطفال ومقوضا لراحة الشيوخ المرضى. ولم تعد المسألة مجرد نشاط رياضي عابر، بل “مضار جوار غير مألوفة” قانونا، تجعل الساكنة رهينة لإنفلات لا يد لهم فيه.
جشع المداخيل وعمى “المتربصين”:
غياب الرؤية يهدد سمعة المؤسسات التعليمية العمومية.
إن الواقع يكشف أن الملاعب المتواجدة داخل الأسوار التعليمية باتت تسيل لعاب الكثير من “المتربصين” الذين ينظرون إلى هذه المنشآت التربوية بمنطق “الدجاجة التي تبيض ذهبا”. هؤلاء المتربصون يعانون من عمى تدبيري حاد، وتفكيرهم المحدود لا يتجاوز لغة الأرقام والمداخيل المالية اليومية، حيث تغيب عن أجندتهم أي رؤية استشرافية متعددة الجوانب.
إنهم لا يكترثون مطلقا لمحيط الساكنة التي ستحرم من هدوئها، ولا يعيرون أدنى اهتمام لاتحادات ملاك الشقق والعمارات الشاهقة المقابلة التي ستكتوي بنيران الضجيج، والأخطر من ذلك، أنهم لا يفكرون في سلامة التلميذات والتلاميذ بالأجنحة الداخلية، ولا في السمعة التربوية والأخلاقية للمؤسسة التعليمية في حد ذاتها.
وتبرز مفارقة أخرى لا تقل إثارة للاستغراب، تتمثل في هذا التهافت على التعجيل بتهيئة ملاعب المؤسسات التعليمية العمومية، ليس بالضرورة لتطوير الرياضة المدرسية وتحسين ظروف استفادة التلاميذ منها، وإنما لتمكين المؤسسات التعليمية الخصوصية من استغلالها. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: لمن نهيئ المدرسة العمومية، ولمن ينبغي أن تكون الأولوية؟ وكيف تتحول مرافقها إلى فرصة لخدمة القطاع الخاص، بينما تتراجع الأولوية الممنوحة لحاجيات المؤسسة العمومية وتلامذتها، ويجري التغاضي عن الآثار السلبية المحتملة على محيطها وسلامة مرتفقيها؟ إنها ازدواجية في ترتيب الأولويات تستحق الوقوف عندها، لأن تأهيل المرفق العمومي ينبغي أن ينطلق أولا من خدمة رسالته التربوية، لا من تسهيل استغلاله لفائدة الغير.
إن تفويض هذه الفضاءات لأشخاص يحكمهم منطق الجشع التجاري الصرف، هو بمثابة طعنة في ظهر المنظومة التربوية التي دافعت عنها اجيال لسنوات.
البعد السوسيولوجي للأسر: ثقة بنيت بمشقة الأنفس
من المعلوم لدى كل متتبع للشأن التربوي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أن إقناع العديد من الأسر القاطنة بالهوامش أو القرى بإرسال بناتها لمتابعة الدراسة في المؤسسات التعليمية العمومية بالمدينة والمبيت في “الداخليات” لم يكن أمرا سهلا، لقد تطلب الأمر مجهودات خرافية من أطر التعليم والفعاليات الحقوقية و المدنية لإقناع أولياء الأمور بأن الداخلية هي “امتداد لبيت الأسرة” من حيث الأمان، والوقار، والحرمة الأخلاقية.
لذا، فإن أي تفكير في إدخال “غرباء” عن الجسم التربوي إلى داخل أسوار هذه المؤسسات تحت ذريعة “الريع المهيكل” أو استخلاص واجبات الحجز عبر المنصات، سيؤدي مباشرة إلى زعزعة هذه الثقة الهشة. إن الأسرة التي ترى وتستشرف هذا التداخل لن تتردد لحظة واحدة في سحب ابنتها من المؤسسة، مما يعني حرمان تلميذات متفوقات من فرصة استكمال دراستهن، والمساهمة -بشكل أو بآخر- في نسف الرهان الحكومي وتكريس الهدر المدرسي في صفوف الفتيات.
مفارقة الملعب والمطعم: شرح الواضحات من المفضحات
دعونا نستشرف السيناريو بشكل واضح وبلسان الدارجة المغربية المعبرة: “خروب بلادنا كنعرفوه”، ونحن نعلم سلوكيات بعض الشباب واليافعين في منافسات كروية حماسية بين فرق الأحياء والأصدقاء. فكيف يستقيم ميكانيزم التدبير التربوي إذا تم فتح ملعب يتواجد بجوار مطعم مؤسسة تعليمية ؟
الرؤية الاستشرافية تحذرنا من مشهد صادم: طالبة أو طالب ينتظر خلف باب المطعم تناول وجبة العشاء ، وبالموازاة مع ذلك، يتواجد غرباء في نفس الفضاء يعيشون طقوس المباريات بكل ما تحمله من اندفاع، وملاسنات، ومشادات كلامية قد تتطور إلى عراك بالأيدي. إن منطق هؤلاء المرتفقين سيكون مبنيا على فكرة الحيازة المؤقتة: “لقد أدينا مستحقات مالية عبر المنصة الرقمية، ومن حقنا التواجد هنا”، في حين أن الأب أو ولي الأمر الذي يزور ابنته مساءا أو ليلا ويعاين هذا الوضع، لن يقبل على كرامته أو سلامة ابنته البقاء في بيئة مشحونة تفتقد لأبسط شروط السكينة والوقار التربوي.
نداء استباقي مرجعي: السكينة والأمن التربوي خط أحمر
إن هذا المقال لا يرصد واقعا قائما فحسب، بل يمثل وثيقة تحسيسية استشرافية ووقائية موجهة بالأساس إلى عمالة طنجة الكبرى، وإلى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، وكل صناع القرار الفاعلين في صياغة دفاتر التحملات لبرنامج “ملاعب الخير” ومراقبة رخص التعمير والتجارة المحيطة بالمؤسسات التعليمية .
إن حماية الحق في التعليم الآمن والسليم تقتضي وضع خطوط حمراء تنظيمية لا يمكن تجاوزها، ونلخصها في المقترحات المرجعية التالية:
بند الاستثناء المطلق: إقرار بند قانوني واضح في دفاتر التحملات يمنع منعا كليا فتح ملاعب المؤسسات التعليمية التي تتوفر على “داخليات ومطاعم” للعموم، والالتزام بجعلها فضاءات نهارية وحصرية للتلاميذ فقط، تماشيا مع المادة الرابعة من القانون الإطار 51.17 التي تشدد على جودة البيئة المدرسية وسكينتها.
تقييم الأثر السوسيولوجي: رهن أي استثمار مالي أو تدبيري بمدى تأثيره النفسي على الأسر وصورة المؤسسة التربوية، فالغاية الأسمى للسياسة المندمجة هي بناء الإنسان وتحقيق التزام 2030 بالقضاء على الهدر المدرسى، وليست جني عائدات مالية على حساب كرامة التلاميذ و التلميذات.
الملاءمة البيئية والتطهيرية: تفعيل لجان المراقبة المختلطة لإعادة النظر في تراخيص مقاهي الشيشة وقاعات الألعاب المجاورة للمؤسسات التعليمية ، لحماية النوابغ والمتفوقين وتلميذات و التلاميذ من كافة مظاهر الاستدراج والانحراف السلوكي.
إن “شرح الواضحات من المفضحات”، والتنبيه اليوم قبل غد هو دفاع مسؤول عن حرمة المدرسة العمومية، وتأكيد على أن أمن نساء و رجال الغذ النفسي والجسدي يقع فوق كل اعتبار مالي أو تنظيمي ريعي.



