عيد الوحدة.. المغرب يطوي صفحة 35 سنة من التدبير الأممي ويفتح مرحلة جديدة
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من المسيرة الخضراء إلى القرار 2797 وتطورات 30 أكتوبر 2026.. مسار طويل من الصبر والتراكم الدبلوماسي، قادته رؤية ملكية جمعت بين الحزم والانفتاح والرهان على السلام.
ليس يوم 31 أكتوبر 2026 يوما عاديا في تاريخ المغرب الحديث. إنه أول تخليد لعيد الوحدة بعد القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797، وفي سياق تطور أممي بالغ الأهمية، تمثل في عدم تمديد مهمة بعثة المينورسو، وفق ما أعلنه بلاغ الديوان الملكي يوم 30 أكتوبر الجاري.
لفهم دلالات هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى المسار الذي بدأ مع المسيرة الخضراء سنة 1975، حين اختار المغرب، بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني، التعبئة الشعبية السلمية في محطة مفصلية من تاريخ استكمال وحدته الترابية. غير أن ما تلا ذلك لم يكن طريقا مفروشا بالورود، فقد دخلت المنطقة مرحلة من المواجهة المسلحة والضغوط السياسية والدبلوماسية، في سياق دولي طبعته الحرب الباردة وتنافس المعسكرين.
فقد راهنت أطراف داعمة لأطروحة الانفصال على اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار، وعلى توظيف الموارد والإمكانيات والنفوذ السياسي والإعلامي لتقديم جبهة البوليساريو في صورة حركة تحرر، مستفيدة من توازنات دولية لم تكن في صالح المغرب آنذاك. وهكذا وجد المغرب نفسه أمام معركة متعددة الواجهات، لم تكن عسكرية فقط، بل امتدت إلى المؤسسات الأممية ومراكز صناعة القرار الدولي.
وفي سنة 1991، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وأُحدثت بعثة المينورسو بموجب قرار مجلس الأمن 690، في إطار مخطط التسوية الذي كان يستهدف تنظيم استفتاء لتحديد الوضع النهائي للإقليم. لكن الخلافات حول تحديد الهيئة الناخبة وشروط تنفيذ المخطط عطلت المسار، لتتحول البعثة، على امتداد 35 سنة، إلى أحد أبرز عناوين تدويل النزاع وإدارته أمميا، دون التوصل إلى تسوية نهائية.
ومع نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين سنة 1989، بدأت موازين النظام الدولي تتغير، وهو تحول انعكست آثاره تدريجيا على مسار قضية الصحراء، التي كانت تتحرك آنذاك في سياق دولي تحكمه اعتبارات الحرب الباردة وتوازنات المعسكرين. وبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ سنة 1991، تحت إشراف الأمم المتحدة وبعثة المينورسو، انتقل النزاع إلى مسار أممي طويل، تعثر بفعل الخلافات حول آليات التسوية وشروطها.
ومع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه سنة 1999، دخلت الدبلوماسية المغربية مرحلة جديدة من تطوير أدواتها وتوسيع تحالفاتها، وصولا إلى محطة سنة 2007، حين قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها مقترحا سياسيا تفاوضيا يروم تجاوز حالة الجمود وفتح أفق لحل واقعي ومتوافق عليه. ومنذ ذلك الحين، تعززت هذه المقاربة القائمة على الواقعية والبراغماتية والمبادرة، وتنويع الشركاء، وربط السياسة الخارجية بالمصالح الاقتصادية والتنموية والاستراتيجية.
وكانت الزيارات الملكية المتعددة إلى البلدان الإفريقية إحدى أبرز تجليات هذه الرؤية، إذ لم تكن مجرد زيارات دبلوماسية، بل حملت مشاريع واتفاقيات واستثمارات في مجالات البنوك والاتصالات والصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة والتكوين. إنها سياسة تقوم على التعاون جنوب-جنوب ومنطق رابح-رابح، وعلى تقاسم الخبرات وبناء مصالح مشتركة، بعيدا عن منطق الوصاية أو الإملاء. وقد أشار وزير الخارجية المغربي إلى 53 زيارة ملكية لأكثر من 30 بلدا إفريقيا، ونحو 1800 اتفاقية ثنائية مع دول القارة، منها 1400 منذ اعتلاء جلالة الملك العرش.
كما شكلت العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مهمة لاستعادة موقع المغرب داخل مؤسساته القارية، وتعزيز حضوره في فضاءات ظلت أطروحة الانفصال حاضرة فيها. وبالتوازي، راكمت المملكة مواقف دولية داعمة لمغربية الصحراء، وافتتحت قنصليات عامة لدول شقيقة وصديقة بالأقاليم الجنوبية، وتوسعت دائرة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، أصبحت المقولة الملكية الشهيرة محددا واضحا للسياسة الخارجية المغربية:
«إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات».
لقد جمع المغرب بين الصبر والحزم، وبين اليد الممدودة والتمسك بالثوابت، دون التخلي عن الحوار أو الانجرار إلى منطق الحرب. ومن هنا يمكن فهم التحول الذي عرفته علاقاته الدولية، فالدبلوماسية لم تعد تكتفي بتوضيح الموقف المغربي، بل أصبحت تعمل على بناء المصالح المشتركة وتوسيع دائرة الشركاء، وترجمة المواقف إلى مواقف سياسية ومكاسب عملية.
وجاء القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 ليشكل محطة بارزة في هذا التراكم، من خلال جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، والإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق. وهو تطور لا يمكن فصله عن سنوات من العمل الدبلوماسي وتغير مواقف عدد من الدول المؤثرة.
أما يوم 30 أكتوبر 2026، فقد حمل مشهدا أمميا استثنائيا يستحق التوقف عنده.
ففي مجلس الأمن، اصطدمت المقاربة الأمريكية بالموقف الروسي، إذ استخدمت موسكو حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، ثم لم يحصل المشروع الروسي البديل، الذي كان يقترح تمديد مهمة المينورسو، إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت واحد معارض وامتناع أحد عشر عضوا. وهكذا تعثر المشروعان، ولم يتم تمديد ولاية البعثة.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذه المحطة هو عودة أجواء التنافس بين القطبين إلى واجهة مجلس الأمن، وكأن بعض ملامح الحرب الباردة عادت لتطل من جديد، ولكن في سياق دولي مختلف تماما عن سياق السبعينيات والثمانينيات. وبين حسابات واشنطن وموسكو، جاء البلاغ الملكي ليضع الموقف المغربي بوضوح، ويعلن أن المملكة تعتبر عدم تمديد ولاية المينورسو تطورا كبيرا وخطوة نحو الطي النهائي للملف داخل أروقة الأمم المتحدة، والانتقال من منطق التدبير إلى منطق تغيير المحددات.
إنها نهاية صفحة امتدت 35 سنة، بحسب القراءة التي قدمها البلاغ الملكي، وبداية مرحلة جديدة تستدعي استيعاب التحولات التي عرفها الملف، مع التمييز بين الموقف المغربي المعلن وبين المسارات القانونية والمؤسساتية التي قد تترتب عن هذا التطور.
وفي خضم هذا التحول، لا ينبغي أن تغيب إحدى أهم سمات الدبلوماسية المغربية: اليد الممدودة. فالمغرب لم يجعل من خلافاته مع الجارة الجزائر سببا للتخلي عن الدعوة إلى الحوار، وظل يؤكد أن استقرار المنطقة ومصالح شعوبها أكبر من الخلافات السياسية. كما أن التعاون جنوب-جنوب، وسياسة رابح-رابح، والانخراط في المبادرات الدولية للسلام، كلها تعكس تصورا لمكانة المغرب كفاعل يسعى إلى الاستقرار والتعاون، وليس فقط إلى الدفاع عن مصالحه الوطنية.
وفي هذا الإطار، يندرج انخراط المملكة في مجلس السلام، إلى جانب أدوارها المرتبطة بلجنة القدس، بما يعكس استمرار حضورها في المبادرات الدولية الرامية إلى دعم السلام وتسوية النزاعات.
مغرب اليوم ليس مغرب الأمس. لقد انتقل من مرحلة صعبة كان فيها يواجه ضغوطا دولية ودعاية سياسية واسعة، إلى مرحلة يراكم فيها الشراكات والمواقف الداعمة، ويعتمد لغة الوضوح والندية دون التخلي عن الحكمة والصبر.
إن ما تحقق لم يكن وليد لحظة، ولا نتيجة قرار واحد، بل ثمرة مسار طويل من الثبات والتراكم والاستثمار في التحولات الدولية، ومن سياسة خارجية جمعت بين الواقعية والانفتاح والحزم، وجعلت من السلام والاستقرار خيارا استراتيجيا.
ويبقى التحدي في المرحلة المقبلة هو صيانة المكتسبات، وتثبيت الاستقرار، وتحويل ما تحقق دبلوماسيا إلى مزيد من التنمية والعدالة المجالية والكرامة للمواطنين، في مختلف جهات المملكة، وفي الأقاليم الجنوبية على وجه الخصوص.
الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، واليد الممدودة تظل مفتوحة أمام السلام والتعاون وحسن الجوار.
ذلك هو جوهر الرسالة التي ينبغي أن يحملها عيد الوحدة: وحدة ترابية ثابتة، ودبلوماسية لا تتوقف عن التراكم، ومغرب منفتح على المستقبل، مؤمن بأن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن حقوقها، بل أيضا بقدرتها على بناء السلام والاستقرار.



