طنجة الكبرى.. نهضة عمرانية أم توسع إسمنتي بلا هوية؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من ذاكرة المدينة وخصوصيتها المعمارية إلى المجمعات السكنية العملاقة: من يرخص؟ من يراقب؟ وأين شروط السكن اللائق والعيش المشترك والتعايش ؟
لم يعد الجدل الذي أثاره أحد المجمعات السكنية بطنجة، المتداول باسم «ألكاطراس»، مجرد نقاش حول بناية أو واجهة معمارية، بل أصبح نقطة أفاضت الكأس، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول فلسفة التعمير، وجودة السكن، والهوية البصرية للمدينة، ومسؤولية الجهات المتدخلة في صناعة المجال الحضري.
لسنا بصدد استهداف مشروع بعينه أو تعميم الملاحظات على جميع المجمعات، وإنما نرصد تحولات عمرانية تستحق النقاش، من زاوية الحق في السكن اللائق والبيئة السليمة، كما يكرسه الفصل 31 من الدستور، ومن منطلق الحرص على مستقبل طنجة ومصلحة سكانها.
والمفارقة أن طنجة، في مراحل من تاريخها وإلى حدود سبعينيات القرن الماضي، تركت إرثا عمرانيا يعكس جانبا من حضارتها وخصوصيتها، رغم أن أدوات الهندسة والتخطيط لم تكن متطورة كما هي اليوم. فالمدينة العتيقة، بأسوارها وأبوابها وأزقتها وتنظيم أنشطتها التجارية والحرفية، ثم الشوارع والعمارات والفنادق التي عرفتها خلال عهد الحماية والمنطقة الدولية، والأحياء التي تشكلت قبل الاستقلال وبعده، من درادب ومصلى والسواني وكاسابراطا ومبروكة وحومة علي باي، كلها تقدم شواهد على مراحل مختلفة من تطور المدينة.
فكيف أصبحنا، في زمن الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس وتصاميم التهيئة والمخططات المديرية، أمام مظاهر من التشوه العمراني والبصري وفقدان الخصوصية؟ ولعل تجربة إقليم تطوان وعمالة المضيق، اللذين عرفا بدورهما توسعا عمرانيا امتد إلى جماعاتهما الترابية، مع حفاظ أجزاء مهمة من نسيجهما العمراني على نكهتها المعمارية، بألوانها وأقواسها وتناسق واجهاتها، تطرح سؤالا مشروعا حول إمكانية الجمع بين التوسع والحداثة وصون الهوية.
ومع التحولات الديمغرافية والعمرانية التي عرفتها طنجة، توسع السكن العمودي من مركز المدينة إلى مشاريع السكن الاجتماعي والاقتصادي، وصولا إلى مجمعات سكنية ضخمة. وهنا لا يتعلق الأمر بعدد الشقق فقط، بل بحجم التجمعات البشرية وما تحتاجه من مرافق وخدمات ونقل وفضاءات خضراء وتجهيزات أساسية.
فإذا كان أحد هذه المجمعات يضم أكثر من 500 شقة، فإن اعتماد متوسط تقديري من ثلاثة إلى أربعة أفراد للأسرة يجعلنا أمام تجمع سكاني قد يتراوح بين 1500 و2000 نسمة. كما أن المجمعات الممتدة على طول الطريق المدارية، بين مدار الكيلومتر التاسع ومدار العوامة مرورا بالمحطة الطرقية، قد تمثل، وفق تقديرات تحتاج إلى تدقيق إحصائي، كثافة سكانية تضاهي ساكنة عدد من الجماعات القروية بعمالة طنجة أصيلة، من قبيل دار الشاوي والمنزلة وأقواس برييش والساحل الشمالي.
وهذه المقارنة لا تنتقص من الجماعات القروية، بل تطرح سؤالا حول مدى استحضار حاجات التجمعات السكنية الكبرى: أين النقل والمرافق الصحية والتعليمية وملاعب الأطفال والمساحات الخضراء ومواقف السيارات؟ وهل تواكب الخدمات حجم السكان الفعلي؟
وتتجلى مفارقة أخرى في سياسة الواجهة العمرانية، حيث تحجب المجمعات السكنية العملاقة الممتدة على الطرق المدارية والشوارع الكبرى الأحياء العشوائية، فيما تتواصل بالجهة الجنوبية، في اتجاه جماعة كزناية، وتيرة التوسع الإسمنتي حيث المرافق الجماعية التي نقلت في إطار برنامج طنجة الكبرى، دون مواكبة كافية بالمدارس والإعداديات والثانويات العمومية. ولعل أحد الشيوخ اختزل هذا المشهد بقوله: «هنا تخرج العمارات كالفطر، كأنهم يزرعونها ويسقونها».
وتزداد المفارقة عند استحضار قطبي الشرافات وابن بطوطة، اللذين ارتبطا برؤية ملكية سامية استشرافية لتخفيف الضغط عن طنجة وإعادة توزيع نموها العمراني، ومواكبة المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية بالجهة. فهل ساهم التوسع العقاري داخل طنجة الكبرى، إلى جانب تأخر النقل والمرافق والخدمات، في إضعاف جاذبية هذه الأقطاب؟ سؤال يستحق تقييما مؤسساتيا ومجاليا، بدل الجزم بعلاقة سببية دون معطيات كافية.
ولا تقف الإشكالية عند التخطيط والبناء، بل تمتد إلى ثقافة السكن المشترك. فبعض المجمعات الآن تعرف ملاحظات تتعلق بالنظافة والضوضاء وصيانة المصاعد والمرافق، ونشر الملابس على الواجهات، والباعة المتجولين والفوضى في الفضاءات المشتركة، العرفان نموذجا . وهي مظاهر لا يجوز تحميل السكان وحدهم مسؤوليتها، بل تستدعي أيضا النظر في جودة التدبير، ودور اتحادات الملاك، وتوفر الفضاءات والخدمات الملائمة.
فأين العيش المشترك والتعايش والمعايشة داخل هذه «الكاطراسات»؟ وهل واكب الانتقال من السكن الأفقي إلى العمودي تأطير اجتماعي وثقافة تحترم حقوق الجوار والملك المشترك؟ إن السكن ليس شقة فقط، بل محيط متكامل يحفظ الخصوصية والكرامة ويضمن شروط الحياة اليومية.
ويبقى السؤال المؤسساتي الأهم: من يرخص لهذه المشاريع؟ من يصادق على تصاميمها؟ من يراقب مطابقة الإنجاز للتراخيص والتصاميم المعتمدة؟ ومن يتحقق من احترام شروط الكثافة والتهوية والإنارة والوقاية والسلامة وولوج سيارات الإغاثة، فضلا عن الجمالية والفضاءات الخضراء؟
إن مسؤولية التعمير موزعة، بحسب الاختصاصات القانونية، بين جهات متعددة، من التخطيط والترخيص إلى المراقبة والتنفيذ والتدبير. ولذلك تبرز الحاجة إلى تفعيل المراقبة وإحداث لجنة مختلطة من الجهات المختصة لتقييم المشاريع الكبرى والتحقق من احترامها للوثائق التعميرية والتصاميم المصادق عليها، مع إيلاء عناية خاصة للواجهات والإنارة والهوية البصرية، واستشراف آثار هذه المجمعات على البيئة والسلامة وجودة الحياة على المدى البعيد.
إن طنجة الكبرى لا تحتاج إلى مزيد من البنايات فحسب، بل إلى فلسفة عمرانية واضحة توازن بين الاستثمار العقاري والحق في السكن اللائق، وبين الكثافة والمرافق، وبين الحداثة والهوية المعمارية. فالمدينة ليست مجموع شققها وعماراتها، بل فضاء للعيش والاندماج والتواصل، وذاكرة ينبغي صونها ومستقبل ينبغي التخطيط له.
فالنهضة العمرانية بلا رؤية ومقاربة شمولية قد تتحول إلى توسع إسمنتي يفقد المدينة ملامحها. والسؤال الذي نضعه أمام جميع المتدخلين: هل نريد مدينة تنتج الشقق، أم مدينة تنتج شروط الحياة والعيش المشترك؟



