ألكاطرازات طنجة الكبرى.. أين فلسفة التعمير وهوية عاصمة البوغاز؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من علب إسمنتية إلى تجمعات سكنية عملاقة: أسئلة حول التخطيط، والسكن اللائق، والجمالية، والوقاية، ومستقبل المدينة.
لم يكن ألكاطراس الذي أثار الجدل بطنجة سوى النقطة التي أفاضت الكأس، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات سبق أن أثارتها فعاليات حقوقية بشأن واقع المجمعات السكنية الكبرى، التي تبدو في بعض نماذجها أقرب إلى علب إسمنتية لإيواء السكان منها إلى فضاءات حضرية متكاملة. فالموضوع لا يتعلق بمشروع واحد، بل بظاهرة ألكاطراسات طنجة الكبرى، وما تطرحه من أسئلة حول فلسفة التعمير، واستراتيجية السكن اللائق، والهوية التاريخية والبصرية لعاصمة البوغاز.
وتزداد المفارقة وضوحا حين نستحضر البعد الديمغرافي لهذه المجمعات. فمجمع يضم أكثر من 500 شقة قد يحتضن، وفق تقدير حسابي يتراوح بين ثلاثة وأربعة أفراد للأسرة، ما بين 1500 و2000 نسمة. وإذا وسعنا النظر إلى المجمعات الممتدة على الطريق المدارية، بين مدار الكيلومتر التاسع ومدار العوامة، مرورا بالمحطة الطرقية، فإننا أمام تجمعات سكانية قد يوازي مجموع ساكنتها، وفق تقديرات تحتاج إلى تدقيق إحصائي، ساكنة عدد من الجماعات القروية بعمالة طنجة أصيلة، من قبيل دار الشاوي والمنزلة وأقواس برييش والساحل الشمالي. وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: كيف نستحضر حاجات جماعات قروية بأكملها، ولا نستحضر بالقدر نفسه احتياجات تجمعات سكنية حضرية تضم آلاف السكان؟
إن هذه المجمعات لم تعد مجرد مشاريع عقارية، بل نوى حضرية تستوجب مرافق صحية وتعليمية، ونقلا وفضاءات خضراء وملاعب ومواقف للسيارات، تتناسب مع حجمها السكاني. فهل واكب إنتاج الشقق تخطيط مواز لإنتاج شروط الحياة؟
وهنا يحق لنا أن نتساءل: أين الجهات الوصية؟ وأين الرؤية العمرانية التي تجعل من التوسع السكني جزءا من مشروع حضري متكامل؟ وكيف يمكن لمدينة ذات تاريخ معماري ومجالي مميز أن تستوعب هذا التحول العمراني دون استحضار خصوصيتها وهويتها البصرية؟ فالتعمير ليس مجرد تراخيص وبنايات، وإنما اختيار يحدد صورة المدينة ومستقبل أجيالها.
وإذا كان من الطبيعي أن تتطور الهندسة المعمارية وأدوات التخطيط، فإن المفارقة تكمن في أن بعض الاختلالات تبدو وكأنها تعيدنا إلى زمن لم تكن فيه الهندسة الحديثة ولا التصاميم الرقمية ولا أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة. فهل يعقل أن تتقدم وسائل التخطيط والتصميم، بينما تظل فلسفة العمران عاجزة عن ضمان التوازن بين الكثافة السكانية، والجمالية، والمرافق، وشروط العيش الكريم؟
إن المطلوب اليوم ليس إطلاق الأحكام، بل إيفاد لجنة مختلطة من الجهات المختصة للوقوف على مدى احترام المنعشين العقاريين لتصاميم التهيئة، وشروط التراخيص، والتصاميم المعتمدة والمسلمة، مع تقييم مدى مطابقة الإنجاز لما تم الترخيص به. وينبغي أن تشمل هذه المراقبة الجوانب العمرانية والبيئية والوقائية والاجتماعية، وأن تتحقق من شروط ولوج الإغاثة، ومخارج النجدة، وتدبير الاكتظاظ، وتناسب الكثافة مع البنية التحتية والمرافق.
كما أصبح من الضروري إيلاء الواجهات الخارجية عناية تليق بصورة طنجة، من خلال ضوابط واضحة لتجميلها، وصيانة عناصرها، واعتماد إنارة عصرية منسجمة مع المحيط الحضري. فالجمالية ليست ترفا ولا مجرد تفصيل لاحق، بل جزء من جودة السكن ومن الهوية البصرية للمدينة. ولا ينبغي أن تمنح التراخيص أو تستكمل المشاريع دون استحضار متطلبات السلامة والوقاية والإغاثة، والبيئة، والخصوصية، والجمالية، والعيش المشترك.
وتتجاوز المسؤولية لحظة البناء والتسليم، إذ تفرض هذه التجمعات مقاربة استشرافية على المدى المتوسط والبعيد، تستحضر آثار الكثافة على جودة الهواء والمساحات الخضراء، وعلى الصحة النفسية والاجتماعية، وعلى النقل والمرافق والخدمات، وعلى ثقافة السكن المشترك وتدبير الملكية المشتركة. فالمجمع الذي يضم آلاف السكان ليس مجرد مشروع عقاري، بل نواة حضرية تحتاج إلى تخطيط وتدبير مستمرين.
إن طنجة الكبرى، بما تحمله من تاريخ ومكانة وطموح، لا تحتاج إلى نهضة إسمنتية فحسب، بل إلى نهضة عمرانية قائمة على فلسفة واضحة، ورؤية تحترم الهوية، ومقاربة شمولية تضع الإنسان في قلب التخطيط. فالسؤال لم يعد كم بناية أنجزنا، بل أي مدينة نريد أن نتركها للأجيال القادمة؟


