طنجة : السلطات “تتصالح” مع الثقافة -حوار-
إعداد وحوار : حسن الحداد
إن الثقافة هي مرآة المشروع الحضاري ،ولا تقل أهمية عن التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ،وأن مفهوم الثقافة تجاوز ما كان يرمز إليه، و أصبحت الثقافة مؤشر مرجعي و شرط لتقدم المجتمع و رفاه الأفراد.
لأنها تشكل ذلك التداخل و الرابط بين التنمية و المحيط و الأفراد، و لما لها من مساهمة في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و إذا كنا نتطلع إلى ترسيخ مستقبل جديد لطنجة بعد تنزيل برنامج طنجة الكبرى الذي جاء من أجل إعادة الاعتبار لعاصمة البوغاز ،باعتبار المبادرة الملكية فرصة لإنقاذ طنجة و إعادة هيكلتها كمدينة متصالحة مع نفسها و تاريخها و هويتها و محيطها و ساكنتها وفق فلسفة و أهداف برنامج طنجة الكبرى.
بتصور ترابي جديد برؤية مندمجة و متوازنة في بيئة اقتصادية مستدامة تثمن مزايا المدينة و تعتمد على مؤهلات و مهارات السكان ،في بيئة اجتماعية قوامها التضامن و تنمية القدرات من خلال بيئة ثقافية لترسيخ الهوية و قيم الانفتاح و ترد الاعتبار إلى التراث من أجل بيئة حضارية تعزز الرقي بنوعية الحياة و التحضر.
فإذا كنا بالفعل نتطلع إلى مستقبل جديد لطنجة في إطار برنامج طنجة الكبرى ،فإن هذا التطلع لن يكون بعيدا عن الثقافة و الفنون و دورها الحيوي في التنمية الثقافية و الاجتماعية و التطور الشامل. و إن أي تطور لمدينتنا لن يكون بعيدا عن مشاركة الثقافة والفن في ذلك .
وأن أهم معوقات التطور الاجتماعي بطنجة في العقود الأخيرة، محدودية الثقافة، إذا لم يكن غيابها، مما جعل التحولات الاجتماعية و الاقتصادية و الديموغرافية غير متوازنة، ولا ترافقها عملية ثقافية لضبط هذه التحولات و موازنتها بالشكل الذي يقلل من مضاعفاتها السلبية.
وبذلك يكون برنامج طنجة الكبرى في شق البيئة الثقافية ،جاء لتأسيس سياق اجتماعي ثقافي قوامه تطوير العلاقة بين ما هو ثقافي و بين ما هو تنموي، إذ لا تنمية حقيقية في أي حقل من حقول الحياة ، إلا بتنمية ثقافية تحفز الجميع و تطور المهارات و تصقل الكفاءات، و عليه فالرهان على التنمية أساسه التشبث بكل آليات تطور الحقل الثقافي و تفسح له المجال للمشاركة في الحياة العامة.
فالثقافة و الفن فعل تنموي بامتياز، و من أبرز المعالم التي جاء بها برنامج طنجة الكبرى في المجال الثقافي ،قصر الثقافة و الفنون ،وفي هذا السياق أجرينا الحوار مع مدير هذه المعلمة الثقافية الأستاذ رشيد أمحجور:
سؤال: إجماع بطنجة الكبرى حول تعيينك مديرا لقصر الثقافة و الفنون بطنجة الكبرى، الرجل المناسب في المكان المناسب، تجربة، مسار ،تاريخ فني و ثقافي يشهد به الجميع، كيف تلقيتم نبأ تعيينك في زمن أزمة الإنتاج الثقافي بطنجة الكبرى؟؟؟؟
جواب: أشكر شكرا جزيلا كل من هنأني بطرقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، الحقيقة كأي تكليف وواجب قمت به سابقا ودائما في إطار وظيفتي بوزارة الثقافة، سواء كأستاذ بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، كأستاذ ومسؤول إداري بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، أو كمندوب وزارة الثقافة بتطوان ثم في بطنجة، أو كمدير مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بأصيلة، ومدير رواق الفن المعاصر محمد الدريسي بطنجة، وبموازاة لذلك كباحث وممارس للكتابة الإبداعية والإخراج المسرحي، أو بالنسبة لتجاربي خارج المغرب في باريس كمصور لمجلة: “Lu” أو موظف في دور النشر من قبيل: “لارمتان”، “سوجير”، ومدير مهرجانات وغير ذلك…، في نهاية المطاف أنا موظف الدولة ولي أجرة في نهاية الشهر، فعلي القيام بواجبي وتحمل مسؤوليتي…
الذي يأتي به تعييني هذا بقصر الفنون كتجربة جديدة هو تسيير معلمة كبيرة متعددة الاختصاصات، وفي هذه المرحلة بالضبط ستقتضي الاشتغال على ما هو محلي، جهوي، وطني ودولي، و الإسهام في نهضة ثقافية برؤية حيوية وشاملة…
سؤال: ما هي فكرة قصر الثقافة و الفنون ،لنقرب الصورة لساكنة طنجة أصيلة و للجهة ؟؟؟
جواب: يجب تقريبها بالفعل على الصعيد المحلي، لكن أيضا على الصعيد الجهوي، الوطني والدولي، لأنها ستعمل على هذه المستويات الأربع، ولبرمجة موفقة فيما بينها يجب بالفعل التعريف بقصر الثقافة والفنون، الذي هو معلمة ضمن سلسلة من معالم العهد الجديد التي أرادها صاحب الجلالة نصره الله ضمن المشاريع الكبرى لمشروع طنجة الكبرى، وللتنمية الشاملة التي أرادها لجهة طنجة، تطوان، الحسيمة، التي تعرف تطورا ملموسا من خلال هذه البنيات المهمة التي يسهر عليها شخصيا، وبتعليمات وتوجيهات دقيقة للسيد والي صاحب الجلالة على الجهة السيد محمد مهيدية الذي أعطى دفعة قوية لإتمام هذه المشاريع في موعدها، كما أن الإدارة المركزية لوزارة الثقافة ومديريتها الجهوية كان لهما أيضا دورا مهما في تتبع الأشغال وتقدمها… ، وبهذا فقصر الثقافة والفنون هو مؤسسة ستساهم في إشعاع ثقافي وفني محلي بالانفتاح على العالم، في علاقة ذلك بما يجري في البلاد وعلى مستوى دولي، للقيام بالتكوين والتمرين والبحث والتجريب في المجالات الثقافية والفنية، كما سيقوم ببرمجة ممارسات فنية من تراثية وحداثية، من رقص، موسيقى وغناء، مسرح وفرجات، وتنظيم معارض في الفنون التشكيلية، البصرية والرقمية، دون إغفال فنون الطفولة وما يمكن أن نقدمه لكافة الشرائح العمرية وذوي الاحتياجات الخاصة…
إذن قصر الثقافة والفنون في جملة: هو فضاء خاص بالممارسات الثقافية والفنية للجميع…
سؤال: وأي علاقة لقصر الفنون بالحركة الثقافية بطنجة أصيلة ؟؟؟
جواب: معلوم أن طنجة انتظرت طويلا بنية تحتية للمنظومة الثقافية والفنية، فهناك مدن صغيرة كان لها حظ الحصول على بنيات ثقافية وفنية قبلها، لكن وكما نقول نحن المغاربة: “كل تأخيرة فيها خير” أو “المعسل هو الأخير”، فها هو الخير يكتمل وها هي طنجة قريبا ستعرف تدشينات وانطلاقات للعديد من المشاريع نذكر من بينها: المكتبة الوسائطية، المركز الثقافي ظهر القنفوذ، متحف فيلا هاريس ومتاحف أخرى…، وبين كل ذلك قصر الثقافة والفنون الذي سيعطي انطلاقة فعالة للممارسات الثقافية والفنية، والذي سيقضي على عبارات من قبيل: “لا نجد فضاءات للتنشيط، للتكوين، للتدريب وللتنظيم…” ، فعلى الفعاليات الثقافية والفنية الطنجاوية أن تشمر على سواعدها للعمل، وأن تنتقل بثقافة المغرب وفنونه إلى مستويات أرقى وأن تتنافس بها مع الإنتاجات الثقافية الأجنبية…، وفي كل ذلك هناك مشاريع كثيرة لمبادرات تنموية بشرية ملموسة لأن جهتنا ، جهة سياحية بامتياز، علما أن السياحة في حاجة إلى ممارسات ثقافية وفنية، كما باقي القطاعات الحية في حاجة إلى خدمات الثقافة والفنون أيضا…
سؤال: في نظركم هل هناك سياسة واضحة لتدبير الشأن الثقافي بالإقليم؟؟؟
جواب: سؤال مهم جدا، يجب الخوض فيه، وتعميم ثقافة الثقافة والفنون، لأن موضوعها شبه منعدم في بلدنا، كما أن دارسة الثقافة والسياسة الثقافية والنقد الثقافي والاقتصاد الثقافي شبه منعدمين في بلادنا، الأمر الذي يدفع بالبعض باعتبار أن الثقافة والفنون هي مجالات الخواطر الإرتجالات السلبية والقرارات المتسرعة، وهذا ما يحصل عموما في بلادنا…
فيجب فهم أن وزارة الثقافة بإدارتها المركزية ومصالحها الجهوية تقوم بتسيير وتدبير الشأنين الثقافي والفني، إدارتهما والقرار في شؤونهما وتنمية قطاعاتهما من خلال الإحداثات، التجهيزات، التكوين، الدعم والترويج والمساهمة في الإنتاج ولا علاقة لها بالممارسة، فالممارسات هي محسوبة على الفعاليات الثقافية والفنية، هي التي يجب أن تتكون وتطالب بالتكوين، هي التي يجب أن تملأ الفضاءات الثقافية والفنية وأن تطالب بها بتجهيزها، برمجتها ودعمها وترويجها، وفي غياب ذلك يكون المشكل من ضمن مشاكل الشأن الثقافي والفني المحلي، وعليه مثلا، هاهي طنجة المحظوظة ستعرف انطلاق لمجموعة من فضاءاتها الثقافية والفنية، فعلى فعاليات طنجة أن تمارس فيها وأن تجتهد في ترويجها وتفعيلها، وأن تطالب بإمكانيات إنتاجها لممارساتها الثقافية والفنية، لكن ليس بالاعتماد فقط على وزارة الثقافة، بل على القطاعين العام والخاص المساهمة في تحريك العجلتين الثقافية والفنية للجهة، لنستقطب السياح، لنجلب مستثمرين، لنتجنب جميع أنواع الانحراف ولتنمية بشرية اجتماعية ملموسة…
من هذا المنطلق يكون تدبير الشأن الثقافي محليا وجهويا واضحا، بحيث نجد المدير الجهوي السيد كمال بالليمون منهمك في برامجه المتعلقة بالإحداثات، التجهيزات، التكوين والتنشيط في المؤسسات الثقافية والفنية بكل جدية، إلى درجة أنه كثيرا ما يؤكد على إشراك الجميع والبحث عن الفعاليات و الكفاءات المغمورة…، المشكل المطروح بالنسبة للمصالح الخارجية هي قلة الإمكانيات، وهذا مشكل يتجاوز المسؤولين الجهويين والإقليميين…
يبقى دور التنسيق غاية في الأهمية وأساسي، وهو دور شركاء أساسيين من قبيل الجماعة، المجلس الإقليمي، المجلس الجهوي، القطاع الخاص والعام….. وبطبيعة الحال في غيابهم لن يحقق الشأن الثقافي والفني ذروته، خاصة وأن الجميع يعرف ويردد أن ميزانية وزارة الثقافة هزيلة…
هذا التنسيق الأساسي هو الذي يفسر القول بأن الثقافة والفنون شأن ومسؤولية الجميع، بما في ذلك المواطنين، فعلى الأقل يجب أن يساهموا باستهلاك هذه الثقافة، وفي غياب ذلك تظل الثقافة بدون بنية حاضنة، غير منتجة ولا تتفاعل مع محيطها الذي لا يستهلكها، ولا يمكن أن نستمر في البناء والتجهيز دون إنتاج واستهلاك…¡¡¡
أعتقد أن الأمور أكثر من واضحة …
سؤال: حسب ما يتداوله النشطاء والفعاليات الثقافية بالمدينة، أن المؤسسة الوطنية للمتاحف ستتولى تسيير ثلاث مراكز ثقافية و فنية ،دار النيابة ،سجن القصبة و فيلا هاريس، كيف ترون ذلك و أي قيمة مضافة لذلك ؟؟؟؟
جواب: أعتقد أن الأمر جد إيجابي، ما دامت المدينة سياحية، وأمامها تحديات مشروع طنجة الكبرى، فهي في أمس الحاجة لاستثمارات ثقافية وفنية، وإلى عشرات المتاحف الفنية التراثية والحداثية في مختلف التخصصات، ما علينا إلا أن نتقدم بالشكر للمؤسسة الوطنية للمتاحف، فأكيد أن السيد الوالي محمد مهيدية معية المهدي القطبي قد فكرا في شهوات فنية ممتعة للمدينة، كما أنني أعرف وعلى يقين أن صديقي وزميلي عبد العزيز الإدريسي إبن مدينة طنجة لا يمكنه إلا وأن يفكر جيدا في خدمة مدينته ولي الثقة الكاملة فيه بحكم التجربة والاشتغال معه.
فما علينا إلا أن نقول اللهم يسر ولا تعسر، ونشكر الذي فكر في أن يهدي مدينة طنجة أعمالا فنية، بعد ما ضاعت منها المجموعة التي كانت سابقا في متحف الفن المعاصر سابقا، رواق محمد الدريسي حاليا، ونحمد لله على أنها بقيت مصونة في الوزارة وسلمت على ما أظن لمتحف محمد السادس مع افتتاحه، وما مساهمة المؤسسة الوطنية للمتاحف بشكل من الأشكال إلا إعادة سليمة للمجموعة الفنية التي أخذتها الوزارة من طنجة إلى الرباط سابقا .
وفي الأمر خير وبركة، وجمال لفضاءات لطالما بقيت مغلقة بدون أي اقتراح وأي خيال وإبداع يذكر لتوظيفها ثقافيا، فنيا وسياحيا…
جهة طنجة في حاجة اليوم لحوالي ثلاثين متحف ولبنيات ثقافية وفنية أخرى متنوعة، فأي كلام خارج عن الهندسة والصناعة الثقافية والفنية يجب أن يراعي مجهودات الدولة واستثماراتها، ولنشكر كل من ساهم في بناء المدينة وتنميتها…
فواضح أن كل هذه الإنجازات هي في خدمة المدينة وفعالياتها التي يجب أن تواكب هذه الإستثمارات بأنشطة وأفكار و إنتاج و تبادل ثقافي مع أصدقاء طنجة من مدن العالم، خاصة وأن فضاءات كل من: “فيلا هاريس” ، “سجن القصبة” و”دار النيابة”، هي فضاءات تراثية لها تاريخها، وهي لوحدها تقترح مواضيع كثيرة للأدوار التي لعبتها تاريخيا ، وتاريخها يفرض توظيفه و تثمينه ،كما أن للأعمال الفنية التي ستحتضنها بعد خاص مرتبط بزمنها وبالزمن الذي ستعرض فيه حاليا في طنجة وفي مغرب ثقافي وفني له مميزاته وخصوصياته…
سؤال: هل يمكن القول أن بفضل برنامج طنجة الكبرى ،طنجة ستعرف القطيعة مع ظاهرة تحويل القاعات السينمائية و المكاتب إلى قيساريات و محلات تجارية وأنها ستشهد صحوة ثقافية لاعادة أمجادها الثقافية و ترسيخ هويتها التاريخية ؟؟؟
جواب: بالنسبة إلي بالتأكيد وواضح، لأنه لا يعقل أن تعرف المدينة هذه الاستثمارات الثقافية والفنية وأن لا تعرف المدينة دينامية ثقافية وفنية في مختلف المجالات، شخصيا مجرد ما وصلني تعييني بدأت في تنسيقات أولية مع جهات محلية، جهوية وطنية ودولية، ومن بين التنسيقات الدولية هناك جهات في: كندا، إسبانيا، فرنسا، إنجلترا إيطاليا البرتغال والأمور تتحرك، إلى درجة أن اقتراحات ملموسة للبرمجة وصلتني…، كما بدأت أقصد بعض الفعاليات الفردية والجمعوية لاستفزاز اهتماماتها الثقافية والفنية، خاصة وأن المؤسسة هي ملك عام وهي مفتوحة للجميع بدون استثناء…
لهذا أعتقد أن فعاليات طنجة بالمدينة، في المغرب وفي العالم من الذين يعرفون قيمتها الثقافية والفنية سيعملون أكثر على إعادة أمجادها، بل سيعملون على المساهمة في خلق طنجة ووطن ثقافي وفني بامتياز…
كلمة حرة:
أعتقد أننا جميعا في طنجة محظوظين، وأنها فرصة لنا جميعا للم شتاتنا وشملنا، للعمل مع جميعا ، للتعاون والتضامن من أجل طنجة ومغرب متقدم ثقافيا وفنيا ومن أجل المساهمة في إنتاج حضارة مغربية يحترمنا من خلالها العالم، وصناعة ميراث لأجيالنا الصاعدة تتذكرنا من خلاله بكل خير، وهذا من واجبنا كمواطنين يصرفون مواطنتهم بإخلاص وأمانة تجاه وطنهم ومواطنيهم.


