القاسم المشترك ،للأسف ، بين دورات المجالس الجماعية ،العادية والاستثنائية، هو الصراخ والنياح والتهديد والوعيد والسب والشتم والتخوين وتبادل الاتهامات والضوضاء المزعجة ،التي ،كما يقول الأطباء المتخصصون تُسبب مشاكل سمعية مثل فقدان السمع الحسي العصبي ،لكنها تُثير لدى الناس الاشمئزاز وتُشَكك في أحيان كثيرة في جدوى هذه الهيئات المنتخبة أصلا ،وإن كانت هذه المؤسسة تعتبر وفق الأعراف السياسية صمام الأمان للمسار الديمقراطي الصحيح و”السيادة الشعبية” كما يقال ..
هذا السلوك السيئ والمخالف للعرف والقوانين في المجالس الجماعية أصبح السمَة الغالبة والسائدة في جلسات واجتماعات مجالسنا المنتخبة ،التي أضحت عبارة عن حلبة لتبادل الكلام النابي والتهديد والوعيد وأحينا التراشق بالكراسي والزجاجات وما استطاع العُضو المُنتخب إليه سبيلا ،وكأن المطلوب من المنتخبين ليس هو مناقشة قضايا الشأن العام المحلي والبحث عن الحلول الناجعة لمشاكل عويصة تزداد استفحالا وتعقيدا من يوم لآخر ، وإنما هو إظهار “البراعة” و”القدرة الخارقة” على كيفية التقليل من الخصم وإهانته والنهْل من قاموس مُنحَط حتى الارتواء ..لا يَزيد الناس إلا نُفورا من السياسة والأحزاب والعمل السياسي بشكل عام …
والمنتخبون ،الذين من المفترض أن يكونوا النخبة السياسية المحلية ومرآة الواقع السياسي المحلي والموكول لهم إدارة شؤون المواطنين والترافع من أجل مصالحهم والتَرَفع عن الاحتكاكات والمواجهات العقيمة التي تُعَطل زمن ممارسة الشأن العام وتدبير قضايا المجتمع ، يَدْفعون الى انتشار السلوكيات السلبية ويَقومون بالأفعال الخاطئة ويُعْطون المِثال السيئ في كيفية تدبير قضايا المجتمع والتجاوب مع احتياجات المجتمع المغربي بكل فئاته ..ونحن على مرمى حجر من الانتخابات بكل مستوياتها التمثيلية ،الآلية التي يختار بها الشعب ممثليه وتَسْمح بالتداول في مواقع المسؤولية والمساهمة في رَسْم السياسات المحلية …
وتعتقد فئة من المنتخبين في المجالس المحلية وغيرها أن ممارسة “المعارضة” هي السب والشتم ورفع الأصوات بشكل مُفرط وعُدواني و لَوْي ذراع الخصوم وتهديدهم ..فيما ترى “الأغلبية” من جهتها أن معاكسة مقتراحات “الأقلية” هي التي تَمْنحها القوة الاعتبارية وتُبرز تفَوقها على الخصوم المفترضين ،ولا يهم بَتاتا إن كان “زمن التراشق ” يَحُول دون التدبير الحكيم لقضايا الناس ..
ولا أدري لماذا لم تَعُد الأحزاب قادرة على إعداد النخبة القادرة على تدبير الشأن العام بالشكل الصحيح والالتزام بما يفرضه واجب الاحترام للمؤسسات التي لها قُدسية سياسية خاصة ،بغاية إعطاء صورة مُثلى عن الهيئات المنتخبة وتَشبع المغاربة بالديمقراطية والترفع عن الخلافات الجانبية وتجنب المناوشات والخلافات الهامشية التي مَل منها المُتتبع للشأن العام ..ومَل منها عموم المجتمع ،الذي أصبح بالنسبة إليه مشهد تنابز المنتخبين وتحقير بعضهم البعض والسخرية من بعضهم البعض وإهانة “العدو” نكتة ثقيلة الظل والوقع لا تَزيد الناس إلا “احتقارا” للعمل السياسي الذي تستقيم به الديموقراطيات الحقة ..
ولا أدري كذلك إن كانت الأحزاب تختار عن قصد هذا النوع من المنتخبين ،الذين بالنسبة إلينا ،كناخبين عاديين ، لا يُشرفون لا الأحزاب السياسية نفسها التي يمثلونها ولا الهيئات المُنْتخبة ولا الناخِبة ولا الوطن ككل ، وهذه الممارسات “الشنعاء” لا تخدم إلا مصالح “المُؤثرين الفاشلين ” لتحقيق أعلى نسب المشاهدة ..والذين لا هَم لَهم إلا إثارة انتباه فئة من المجتمع تَسْتمتع بفنون “الفُرجة ” و الحَلْقة والقَراقوز وخَيال الظل والمسرح العجائبي .
مؤسساتُنا المنتخبة في حاجة الى نُخب جديدة مُكونة تكوينا سياسيا صحيحا يُعطي قيمة مضافة للهيئات المنتخبة ..وهي أيضا في حاجة الى نُخب خَلاقَة وخَلوقَة لها القُدرة على ابتكار الحلول وتنزيل برامج أحزابها ومشاريع البلاد على أرض الواقع ،والى نُخَب تُقدم الإضافة الى الحقل السياسي الوطني والمحلي ولها ضمائر وطنية حية ويقظة وواعية كفيلة بتقديم القيمة المضافة للهيئات المُنتخبة لمواجهة التحديات المطروحة على الدولة وعلى المجتمع ..و خاصة الوفاء بالالتزامات، والسعي دائما للإنجاز بإتقان خِدْمَة للمصلحة العامة ومصالح المواطنين المشروعة …
نحن على مدى خطوات من الانتخابات المحلية ،ولا نتمنى أن تُقدم لنا الأحزاب “أشباه” المنتخبين الذين لا هَم لهم إلا شَغْل المواقع في الهيئات المنتخبة من أجل اعتبارات شخصية أو اعتبارات أخرى ربما لا نفهمها نحن المواطنون البسطاء …
والى حين الانتخابات القادمة ،نتمنى أن تُحقق لنا الأحزاب السياسية أمنيتنا وتُقدم لنا نخبا تعكس فعلا التطور الديموقراطي النوعي الحاصل في البلاد وتساهم في عملية بناء ثقافة ومؤسسات راسخة تتجاوز مُجرد الانتخابات وتكون المُنطلق الإيجابي للتغيير ..ويكون المنتخبون خير صوت يمثل المغاربة أحسن تمثيل ..وحتى تساهم في تغيير المفاهيم النمطية التي إلْتصقت بالمنتخبين والعمل النيابي بشكل عام ..
والأساسي في رأيي هو إعادة الذين اعتزلوا التصويت الى صناديق الاقتراع وإعادة الثقة في الفعل السياسي …
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
آخر الأخبار
- الرباط تحتضن أول مجلس إداري للشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى
- سلوك نشاز للاعب جزائري تسيئ إلى روح لومومبا أحد رموز أفريقيا
- هكذا نَراكم يا مَعْشر المنتخبين المحليين..
- تزامنا مع “الكان”.. أمانديس تكثف من جهود تدبير تصريف مياه الأمطار -صور-
- الأصالة والمعاصرة يلجأ للقضاء لتجريد مستشاريه من منصبيهما
- نهاية “تابو” الرواتب : نشر الأجور تصبح إلزامية بقوة القانون
- رواية عبْد الحميد الهوْتي “حربُ الآخرين” تجربة أدبية تَرُد عَقارب التاريخ الى ساعة الحقيقة
- جثة متفحمة تستنفر درك اكزناية
- توتر بمطار الناظور بسبب طريقة تفتيش شرطة المطار للمسافرين خلال رحلة داخلية
- ساكنة المضيق تخصص استقبالا كبيرا للاعب أمين زحزوح
جريدة إلكترونية وطنية مقرها بطنجة، نهتم بالحياد والدقة في نقل الخبر.
العنوان: 29، شارع عمرو بن العاص رقم 13 الطابق 2 – طنجة
الهاتف: 0539933592
البريد للتواصل: 365yawm.ma@gmail.com

هيئة التحرير
مدير النشر : أنس الحداوي العلمي
رئيس التحرير : عبد الله الغول

