قرى طنجة تيك وأسواقها… استثمارات كبرى وحاجيات قروية تنتظر الإنصاف
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من المسالك الطرقية إلى سوق سبت الزينات التاريخي: أسئلة حول أولويات المجالس المنتخبة ومعايير توزيع المشاريع، والمواطن في قلب المفارقة
منذ سنة 2012، عرف المجال الجنوبي لطنجة الكبرى تحولات اقتصادية وعمرانية متسارعة، بفضل مشاريع الطرق والمنشآت السككية والاستثمارات الصناعية، وصولا إلى المنطقة الصناعية الحرة طنجة تيك، التي أصبحت عنوانا للدينامية الاقتصادية التي تعرفها المنطقة. لكن وسط هذه التحولات، لا تزال دواوير مجاورة تواجه صعوبات في الولوج إلى الطرق والخدمات، فيما تطرح بعض المرافق القروية سؤالا أعمق حول نصيبها من الاهتمام التنموي.
ففي محيط طنجة تيك، لا تزال دواوير من بينها مدشر البيبان، دار اللماعي ، الروويف ، القزموري، الصخرة ، ولاد زيان ، المنزلة وصفصافة تعاني من إشكالات المسالك الطرقية وفك العزلة. وقد ساهم تسييج المنطقة الصناعية وتغير مسارات الولوج في زيادة صعوبة الوصول إلى بعض المرافق والأسواق والخدمات التي كانت أقرب إلى الساكنة. وهكذا، تتجاور الاستثمارات الكبرى مع حاجيات يومية لم تجد طريقها بعد إلى الحل الكامل.
ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على المشاريع الكبرى، بل بطرح سؤال التكامل بينها وبين محيطها القروي. فالطريق التي تخدم منشأة اقتصادية لا تقلل بالضرورة من عزلة دوار قريب، وتأهيل المحاور الرئيسية لا يعوض غياب المسالك الداخلية الصالحة للاستعمال. لذلك، فإن قياس أثر التنمية ينبغي أن يشمل ما تحققه من فرص واستثمارات، وما تحدثه أيضا من تحسن ملموس في حياة السكان المجاورين.
وتتضح هذه المفارقة بصورة أخرى في السوق الأسبوعي لسبت الزينات، الذي يستحق أن يكون عينة حية للنقاش حول أولويات التنمية القروية. فهو سوق تاريخي ذو موقع استراتيجي في المجال القروي المحيط بطنجة، ويستفيد من موقعه القريب من أحد أكبر الأقطاب الصناعية والاستثمارية بالمنطقة، طنجة تيك. ومع ذلك، ظل وضعه يثير تساؤلات حول مدى استفادته من برامج التأهيل والتحديث، وحول الأسباب التي جعلت تطوير هذا المرفق الحيوي لا يظهر في مستوى التحولات التي يعرفها محيطه.
وتكتسب هذه المسألة بعدا إضافيا بالنظر إلى أن تأهيل الأسواق الأسبوعية كان موضوع برنامج للتنمية الجهوية. ففي سؤال كتابي منشور بموقع مجلس النواب بتاريخ 10 دجنبر 2024، أُثير موضوع استثناء أسواق بجماعات تابعة لعمالة طنجة-أصيلة، من بينها الزينات وحجر النحل وسيدي اليمني وأحد الغربية، من برنامج جهوي لتأهيل الأسواق الأسبوعية شمل، وفق السؤال، 24 سوقا بمختلف أقاليم الجهة، بغلاف مالي بلغ 207 ملايين درهم.
هذه المعطيات تفتح باب المساءلة حول معايير اختيار الأسواق المستفيدة، وأسباب عدم إدراج سوق سبت الزينات ضمن البرنامج المشار إليه، وما إذا كانت هناك برامج أو اتفاقيات أخرى مخصصة لتأهيله. فالمطلوب ليس افتراض وجود إقصاء متعمد، بل الحصول على أجوبة واضحة بشأن الأولويات والاختيارات التي تحدد مصير هذه المرافق.
ولا ينحصر النقاش في السوق وحده، فالجماعات القروية محدودة الموارد الذاتية، وتعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات والدعم، ما يجعل تلبية حاجياتها مرتبطة أيضا ببرامج الشراكة والتنسيق مع مجلس عمالة طنجة-أصيلة ومجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وباقي المؤسسات المعنية. وقد صادق مجلس العمالة، في أكتوبر 2025، على اتفاقية شراكة لتهيئة ثلاث طرق بجماعة سبت الزينات، إلى جانب مشاريع طرقية أخرى بالعالم القروي. غير أن وجود مشاريع طرقية مبرمجة لا يجيب وحده عن سؤال تأهيل السوق الأسبوعي، ولا عن مدى تغطية مختلف الحاجيات المحلية.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين برمجة المشاريع والمصادقة على الاتفاقيات من جهة، وبين تنفيذها وتحقيق أثرها الفعلي من جهة أخرى. فالمواطن لا يتعامل مع جداول الميزانيات ومحاضر الدورات باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل ينتظر أن تنعكس على الطريق التي يسلكها، والسوق الذي يقصده، والخدمات التي يحتاج إليها.
وقد أعادت دورة أكتوبر لمجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، المنعقدة يوم 5 أكتوبر 2026، النقاش حول حصيلة المشاريع وتوزيع الاعتمادات إلى الواجهة. فقد أثار المستشار الجهوي البشير العبدلاوي تساؤلات بشأن مآل مشاريع سبق التداول فيها، ومعايير توزيع بعض الاعتمادات والخدمات بين أقاليم الجهة، وفق ما نقلته تقارير صحفية. ولا تثبت هذه المداخلة بمفردها أسباب تأخر مشروع محلي أو استثناء سوق بعينه، لكنها تبرز أهمية مساءلة المؤسسات عن مآل البرامج والاتفاقيات ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
إن السؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كانت المجالس المنتخبة تنجز مشاريع أم لا، بل كيف تحدد أولوياتها، وما المعايير التي تعتمدها للمفاضلة بين الحاجيات، وكيف تضمن ألا تبقى بعض المناطق والمرافق خارج دائرة الاهتمام لسنوات. فالإنصاف المجالي لا يعني توزيع الميزانيات بالتساوي الحسابي، وإنما توجيهها وفق حاجيات السكان، ومستوى العزلة، والفوارق المسجلة، والأثر المتوقع لكل مشروع، مع إتاحة المعلومات التي تسمح بتتبع القرارات والإنجازات.
كما لا ينبغي اختزال هذه الأسئلة في الانتماء الحزبي أو العلاقات بين المنتخبين، ما لم تسند ذلك وثائق وأدلة. فالمطلوب هو وضوح المعايير، وتكافؤ الفرص في عرض الحاجيات، وربط المسؤولية بالنتائج، حتى تكون قرارات البرمجة مفهومة وقابلة للمساءلة، بعيدا عن التأويلات والاتهامات غير المثبتة.
في نهاية المطاف، تظل التنمية الحقيقية هي التي تجمع بين جاذبية الاستثمار وجودة العيش، وبين المنشآت الكبرى والطرق القروية، وبين الأقطاب الاقتصادية والمرافق التي تخدم السكان يوميا. فسوق سبت الزينات ليس مجرد فضاء تجاري يحتاج إلى التأهيل، بل مثال على ضرورة النظر إلى حاجيات المجال القروي ضمن رؤية تنموية متكاملة، لا تكتفي بما ينجز في محيطه، بل تسأل أيضا عما يصل إلى ساكنته.
فالمشاريع الكبرى تمنح المنطقة آفاقا اقتصادية، لكن الإنصاف يقاس بما يلمسه المواطن في حياته اليومية. وبين الاعتمادات المبرمجة والحاجيات القائمة، تبقى الأولوية أن تتحول التنمية من أرقام واتفاقيات إلى طرق صالحة، وأسواق لائقة، وخدمات متاحة، وكرامة مصونة. فالمواطن هو الغاية من التنمية، وهو أول من يتحمل كلفة أي فجوة بين التخطيط والإنجاز.



