بين جاذبية الواجهة وأصل الداء: تهيئة أودية طنجة ومصباتها.. استثمار واعد يرهنه نزيف التلوث من المنبع وضياع الذاكرة الإيكولوجية
بقلم : الحداد حسن المنزلي
مقاربة حقوقية وعلمية تفكك معادلة تأهيل الواجهة البحرية وتدعو لإنقاذ الذاكرة التاريخية وحماية شريان الحياة البيئية من المنبع.
تشهد عاصمة البوغاز طنجة طفرة تنموية غير مسبوقة، تتجسد في الأوراش المفتوحة لتهيئة المجالات الحضرية وتأهيل بنياتها التحتية استعدادا للمواعيد الدولية الكبرى. وفي مقدمة هذه الأوراش، يأتي مشروع تهيئة واد مغوغة وإنجاز المنتزه الطبيعي والشاطئي الجديد بمنطقة مالاباطا، وهو مشروع طموح رصد له غلاف مالي هام يندرج ضمن برنامج استثماري بقيمة 250 مليون درهم يشمل معالجة الأودية التي تخترق النسيج الحضري للمدينة. إننا، من منطلق المسؤولية المواطنة والحقوقية، لا يمكننا إلا أن نثمن هذا التوجه الاستراتيجي الذي يروم تحويل النقط السوداء إلى فضاءات بيئية وترفيهية تخدم الساكنة والزوار، وتصون حق الأجيال الحالية والمستقبلية في بيئة سليمة ومتنفسات طبيعية لائقة.
وفي هذا السياق الحاضر، تبرز القيمة الاستثنائية لـ أرض المعرض الدولي (Expo) العارية بمالاباطا، هذه الاحتياط العقاري الاستراتيجي الذي نجت أجزاء منه من قبضة الإسمنت الخاص، لتشكل اليوم النواة العقارية الحاضنة لجزء كبير من هذا المنتزه المرتقب. إن هذه الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية عارية، بل هي حزام وصل حيوي يربط بين تاريخ المدينة وجغرافيتها الحية؛ حيث تنتصب على مقربة منها، وتحديدا عند الضفة اليمنى لوادي الحلق، “قصبة غيلان” التاريخية الأثرية الباسلة الصامدة منذ القرن السابع عشر كشاهد على مقاومة عاصمة البوغاز للاستعمار الأجنبي. إن دمج هذه المؤهلات التراثية والتاريخية الفريدة داخل الرؤية الترفيهية يفرض ضرورة حماية هذا الإرث من الإهمال وإعادة الاعتبار له كموروث إنساني وحضاري يمنح المنتزه هويته الفريدة.
غير أن المقاربة الاستشرافية الرصينة تفرض علينا أيضا دق ناقوس التنبيه والتحذير من مغبة السقوط في فخ “هدر الزمن البيئي والمال العام”، إذا ما ظلت المقاربة التجميلية معزولة عن معالجة حقيقية وجذرية لمصادر التلوث القائمة في عالية الأودية ومنابعها، وإذا ما استمر نزيف المنظومة الغابوية المحيطة. فبالتزامن مع هذه التهيئة، لا يمكن للعين الحقوقية المراقبة أن تغفل واقع غابة مالاباطا، التي لم يتبق منها سوى النزر القليل بفعل التوسع العمراني الجارف والزحف الإسمنتي الذي أتى على مساحات شاسعة من هذا المتنفس الغابوي الحيوي. إن هندسة المصب لا تستقيم دون استعادة المنظومة الإيكولوجية الشاملة للمنطقة وحماية ما تبقى من رئة المدينة الخضراء. فالاستثمار في المصب دون إغلاق حنفيات التلوث من المنبع ودون كبح التآكل الغابوي هو حرث في البحر، وهدر لجهود التنمية المستدامة.
إن الأودية في النظم البيئية الحضرية ليست مجرد قنوات لتصريف مياه الأمطار، بل هي شرايين حيوية تضمن التوازن البيئي وتجدد الفرشاة المائية. لكن واقع الحال يكشف عن تحديات بنيوية كبرى تتطلب معالجة علمية ووقائية عاجلة:
المناطق الصناعية (مغوغة والمجد): تظل المعضلة الأكبر في غياب فرض منظومة “المعالجة القبلية الكيميائية” داخل الوحدات الإنتاجية نفسها. إن قذف مياه المصانع المحملة بالمعادن الثقيلة والمواد السامة مباشرة في المجاري المائية يجهض أي أمل في إرساء توازن بيولوجي بالمنتزه الجديد، حيث تتحول هذه المواد السامة عبر “التراكم الحيوي” إلى قنابل كيميائية تخنق الغطاء النباتي وتدمر الأحياء المائية.
الأحياء غير المهيكلة والتوسع العشوائي: ما زالت عالية الأودية تشهد تدفقات لعشرات المصبات العشوائية للمياه العادمة الناتجة عن التجمعات السكنية الناقصة التجهيز، مما يحول مجاري المياه الطبيعية إلى قنوات صرف صحي مفتوحة تنبعث منها الروائح الكريهة وتفسد جودة مياه الشواطئ (كشاطئ ماربيل ومالاباطا).
إرث مطرح مغوغة القديم وإكراهات التثمين: رغم إغلاقه، ما زال الموقع يتطلب استكمال برامج العزل الطيني الصارم وشبكات سحب غاز الميثان الحيوي لمنع أي انبعاثات أو تسربات باطنية نحو الأودية المجاورة خلال المواسم المطيرة.
معضلة “اللكسيفيا” السامة بمطرح المنزلة الجديد: وهو الملف الحارق الذي وصل صداه إلى قبة البرلمان عبر مساءلة رقابية حادة تنبه إلى استمرار نقل وتفريغ آلاف اللترات يومياً من عصارة النفايات السوداء (اللكسيفيا) مباشرة في شبكات ومحطات ضخ المياه العادمة غير المؤهلة بيولوجياً لمعالجتها. إن غياب محطة معالجة نوعية متطورة تعتمد على تقنيات “التناضح العكسي” في موقع المطرح يهدد بتدمير البيئة البحرية وإفشال المنظومة البيئية للمدينة بأكملها.
وفي هذا الصدد، فإن المقاربة العلمية الرصينة تؤكد أن الاكتفاء بالمحطات الحالية المتوفرة بالمدينة (كمحطة بوخالف) لم يعد كافياً، لكونها محطات صُممت بتقنيات بيولوجية لمعالجة المياه المنزلية، وضخ المقذوفات الصناعية أو عصارة النفايات فيها يهدد بتدمير منظومتها التصفوية. إن طنبجة اليوم، وهي تشهد طفرة استثمارية كبرى تتجسد في مشاريع عملاقة مثل المدينة الذكية «طنجة تيك» وتوسعات المناطق الحرة، باتت في حاجة ماسة واستعجالية لإحداث محطات معالجة نوعية ومتخصصة تواكب وتلائم الأنشطة الصناعية، وتضمن تصفية كيميائية مستقلة للملوثات قبل وصولها إلى الوسط الطبيعي أو الأودية الحيوية.
بناءً عليه، فإننا لا نتهم جهة بعينها، بقدر ما نتحمل مسؤوليتنا الجماعية في التنبيه إلى أن المقاربة الاستشرافية الحقيقية تستوجب التزامن المطلق بين تجميل المصب وتطهير المنبع وحماية الموروث الغابوي والتاريخي. إننا ندعو كافة الفاعلين المؤسساتيين، والمنتخبين، والشركاء الاقتصاديين إلى الانتقال من “هندسة الواجهات” إلى “هندسة الحلول البنيوية من المنبع”، عبر فرض القانون البيئي على المنشآت الصناعية، وتسريع ربط الأحياء العشوائية بالقنوات العازلة، والتعجيل بإنشاء محطة معالجة “اللكسيفيا” بموقع المطرح الجديد، مع تحصين ما تبقى من غابة مالاباطا وترميم قصبة غيلان لتكون جزءاً حياً من المنظومة الترفيهية.
فقط بهذه المقاربة العلمية والوقائية المتكاملة، سنضمن أن تتحول ملايين الدراهم المستثمرة إلى تنمية مستدامة حقيقية، ونحمي طنجة من هدر الزمن والمال، لنورث أجيال المستقبل مدينة تجمع بين سحر واجهتها البحرية وعراقة تاريخها ونقاء شرايينها المائية والبيئية الداخلية



