السرد النسائي ومغامرة مواجهة الأنساق الثقافية

عبد المجيب رحمون جامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان

0 9٬751

الكلمات المغاتيح:

السياق، الرهان السردي، خطاب المرأة، الأنساق الثقافية

دهشة الحقيقة وسؤال المعرفة

من الأمور التي تجعل عقل الإنسان في شغل دائم وتفكير مسترسلٍ هو البحث في أسئلة متعددة كالتي تطرحها الفلسفة الوجودية، أو كما يصورها فلاسفة ومفكري علم الكلام مثلا،أو كما ينقلها لنا النقد الثقافي في علاقته بالأنساق المتوارثة، من هذه الأسئلة: ما الحقيقة الكامنة وراء الوجود؟ هل العالم مادي أم طبيعي؟كيف يوازن الإنسان بين العقل والقلب؟. كل هذه الأسئلة يمكن أن نجد صداها في النفي الهايدغري المعبر بصيغة   Ne-pasالتي تحيل للوجود كاختلاف، وهذا ما يفسر عبارة: الوجود الأنطولوجي.

من هذا المنطلق تبحث “شيماء أبـجاو” في روايتها (القصيرة) “أموات يحكموننا” الصادرة مؤخرا، بحيث                                                                                                                                                                                                                                                                       تقسم العمل إلى قسمين: قسم يؤطره حوار دقيق بين شخصية طارق وأبيه حول مفهوم الحقيقة، بعدما سلمَّ ابنَه وصيةً مكتوب فيها عبارة وحيدة «وصيتي ألا أدفن» ، شكلت هذه العبارة قلقاً فكرياً ودهشة عارمة لطارق، لم يستوعب أبعادها، خصوصا عندما دعاه إلى البحث عن شريط (الفيديو) الذي يتحدث عن البعث والإحياء وقراءة كتاب «مكة في جغرافية القرآن»، لقد «أصاب طارقَ زلزالٌ رج بعنف تلك السكينة اللذيذة التي ركن إليها، الشعور بالتيه يكتم أنفاسه».

أما القسم الثاني فهو انسلال فني من موضوع البحث عن الحقيقة والوجود إلى  الحديث عن علاقة الرجل بالمرأة في سياقاتها الدينية والتاريخية، انسلال انطلق من المشهد الأول، أو القسم الأول بعد غياب سلوى عن لقاءاتها الافتراضية مع طارق: «عزيزي طارق أعرف أني لم أفعل صوابا بهذا الانقطاع البشع، فما كنت لأقبل منك غياباً دون مبرر أو وداع». وكان غيابها مرتبطاً بمشاكل أسرية أساسها تسلط وظلم الأب لها ولأمها وأختيها، وهذا في نظري هو رهان هذا العمل، وموضوعه الرئيس الذي راهنت عليه الكاتبة برؤية فنية تطرح الكثير من الأسئلة. لقد شكل هذا القسم، حديثا صريحاً وقوياً عن الأزمة التي خلقتها بعض النصوص الدينية وتأثيرها عن علاقة الرجل بالمرأة، دون أن تبحث في سياقتها وموثوقيتها(Fiabilité).

هي نصوص حديثية استهلكت بحثا ومناقشة من طرف الكثير؛ في تبئير خطير لموضوع الإسلام والمسلمين، دون أن تقدم شيئا ــ هذه المناقشات ــ غير التحليق خارج السرب، فالعقل الأخلاقي الذي ينظم الفكر، ويبحث ويساجل يرفض أن يجعل المرأة دون الرجل مكانةً ومهابةًوقيمةً، وما ورد في الرواية من أحاديث منسوبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخصوص هي أحاديث شاذة وظفت في سياقات دينية وسياسية وتاريخية مختلفة تبنتها الكاتبة، وكان عليها أن تنفتح على مختلف النصوص الدينية الأخرى، كما كان عليها أن تتأكد من صحتها؛ إذا كانت الرؤية السردية تتجهنحو نقد الموروث الثقافي والديني «دون أن نسير عميانا على خطوات أموات مازالوا يحكموننا». فالفكر لا يموت والحضارات استمرار في الوجود منها تنهل الثقافات والإنسان ماهيتها وهويتها، لذلك فزاوية النظرالنقدي للأنساق الثقافية في الرواية ضيقة، أرادت المؤلفة أن تخوض في موضوع كبير بنفس سردي قصير، لن يسعفها ذلك في تتبع وتطور علاقة الرجل بالمرأة من خلال فترات زمنية متنوعة؛ يتقاطع فيها الفلسفي بالديني؛ بالأخلاقي؛ بالثقافي.

المغامرة المعرفية و التحايل على مقولة التجنيس

استهلت الكاتبة موضوعها بذكاء كبير، حيث وهمت القارئ بسؤال المعرفة، وورطته في ثنايا عالمها السردي والغوص في أسئلته الوجودية، أسئلة تدعمها تلك العتبات النصية التي تعلو بداية كل فصل وهي عبارات وأقوال مقتبسة من فلاسفة ومفكرين، جعلت القارئ ينساب وراء أسئلة طارق وحيرته الوجودية، كما يتساءل مع السيد مصطفى” في همومه المعرفية، وهي أسئلة مشروعة ومنسجمة مع ماهية العقل، ولا يمكن للقارئ أو للباحث، أن يرفضهافالتدبر والتفكر في الحقيقة الكونية تطرحه النصوص الدينية كما تطرحه النصوص الفلسفية، والوصول إلى ماهيته تظل نسبيةً،وتغذيها ثقافة ومرجعيات متنوعة، كما يتحكم فيها إرث إيديولوجي، هذا الإرث تجلى لنا في عتبة العنوان “أموات يحكموننا”؛ حيث قصدت من ورائه ذلك  الرصيد الديني والمعرفي الذي يؤطر حياة الإنسان المسلم، وقد أغفلت المؤلفة أن تاريخ الحضارات والفلسفات القديمة مازال ينير طريق العلم والمعرفة، ومازال سؤال المعرفة يعلن نفسه سيداً على كل الأسئلة. لقد اعتمدت الساردة من خلال صوت شخوصها أحاديثَ وأخباراً مجردةً من سياقها، وعبرن عما يسمى بتيار الوعي الحداثي، بحيث أضحى شعار أنا أفكر أنا موجود يسم أغلب الأعمال التي تبحث في العقل الديني،بعدما أصبح الدين الإسلامي مستهدفا في إحدى خطاباته؛ من منطلق كونه يكرس الطبقية بين الرجل والمرأة، ويعلي من سلطة الرجل، عبر هذه المنزلقات المعرفية جردت الأحكام من سياقها، وركزت على متغير في الحياة البشرية، متصل بالسلوك البشري وليس بقوانين، فالغلو في استعمال السلطة أو تعنيف الزوجة وأطفالها، أو ما تقوم به بعض الجماعات المتطرفة باسم الإسلام من قتل وعنف للعامة والخاصة فهي سلوكات بشرية مرضية عنيفة، ينبغي معالجتها، ويجب محاكمةمرتكبيها فهمالمسؤولون عنها، وليس الدين.

وعلى وجه القياس فقط هنا لا على وجه المقارنة، نتذكر كتاب الشخصية المحمدية “لمعروف الرصافي” الذي استطرد وأسهب في الحديث عن بلاغة الإعجاز القرآني، مستظهرا جما وافراً من كتب التفسير، لكن حينما وصل إلى انتقاد هذه البلاغة لم يجد ما يشفع له في التفاسير واكتفى بقراءته وتأويلاته للنص الديني، هنا يكمن الرهان أو المغامرة، التي عولت عليها المؤلفةفي كتابـها، وتوريط القارئ في متاهة الخطاب دون تحديد مستواه التداولي السياقي، يحدثنا “بروان ويول” عن ضرورة توفر المتلقي على معلومات لتكون حظوظه قوية لفهم الرسالة وتأويلها. والخاصية الأولى للسياق مما يتعين التوكيد عليها هي الديناميكية، فليس السياق مجرد حالة لفظ، وإنما هو على الأقل متوالية من أحوال اللفظ، وفضلا عن ذلك، لا تظل المواقف متماثلة في الزمان، وإنما تتغير وعلى ذلك فكل سياق هو عبارة عن اتجاه مجرى الأحداث.

هكذا لا يمكن لخطاب أن يستقيم دون النظر في مجراه ومصادره وهو السياق، فالنص ينزل منازل كثيرة بحكم ظروفه المتعددة التي تفرضها سياسة الحكم في غالب الأحيان. إن التسرع في تحليل نصوص دينية يفضي بصاحبه إلى منزلق التيه، ويفقده القدرة على التأويل الذي يطلبها النص؛ تأويلا يسائل معانيه ودلالاته ويبحث في مراميه وأبعاده، يذكرنا هذا التسرع من طرف الباحثة؛ في الهجمة التي تلحق الأديان والدين الإسلامي على وجه الخصوص حيث أضحى شعاراًحداثيا وحديثا، تحت يافطة تيار الوعي الحداثي كما تقدم، وقد تجلى هذا التسرع كذلك في التحايل على مقولة التجنيس، إذنعلم أن  الأدب يطرح إمكاناتٍفسيحةً للتعبير عن هواجس مختلفة منها الاجتماعي والديني والسياسي، وقد أصبح وضع المرأة الثقافي يفرض عليها التعبير عن صوتها بما يخدم فلسفتها في الحياة وتوجهها الديمقراطي، لأن المرأة تحب وتعشقالبوح والاعتراف، وهكذا  يمكننا تصنيف هذا العمل ضمن الكتابة النسائية المنفتحة المتحررة من مقولة النوع الأدبي، هذه المقولة التي تفرض على الكاتب الالتزام بصرامة القواعد الفنية والتقنيات المعتمدة، ولأجل تغليب الموضوع على القاعدة يتم تجاوز النوع “وصارت الرواية أم الأنواع فصار كل شيء رواية ولا شيء غير الرواية لأنها تتضمن وتختزل كل الأنواع الأدبية دون أن تفصح عنها، لأن الكاتب يختبئ وراء هذه الفسحة الأجناسية ليمرر خطاباته ويلونها بأي لون شاء، ويورط القارئ معه في تحديد النوع الأدبي المقصود، بل يحمله مسؤولية ذلك.

تنميط خطاب المرأة

عندما لا تتحقق الشروط الضرورية، يـخفق العمل الفني في توليد الأثر الذي يريده الكاتب، وعلى رأي “ميلان كونديرا : لا يستطيع الروائي المعاصر الذي يشتاق إلى الحرية المرنة التي كتب بها المؤسسون الأوائل، أن يقفز فوق موروث القرن التاسع عشر، إذ عليه أن يجمع بين متطلبات التأليف القاسية؛ الجمع بين حرية رابليه وديدرو في الكتابة والتخطيط المنظم الصارم، الذي يتطلبه التأليف.  من شروط الإبداع إذنإحداث الأثر، والأثر بمفهومه النفسي هو التفاعل مع الموضوع، أو المتعة «وهو العنصر السائد في القصة، وهو الطاقة المحركة فيها، […] ولعل تنوع عقليات القراء، أو تباين تجاربهم في الحياة، أو اختلاف أمزجتهم هي العناصر التي تحدد مصدر المتعة في الأثر الأدبي»، هذا التفاعل ينطلق من توجهات انطباعية محدودة بالحكم على العمل بجدته أو رداءته ، أو منهجية، تتعلق برأي نقدي مشفوع بأدلة، وأسمى أنواع الأثر هو الذي يحرك في القارئ شهيته لمساءلة النص ومساجلته، سجالا معرفيا، من هذا المنطلق لا يمكنا إلا نقبل برهان هذا العمل الأدبي، ونقبل بأسئلته الوجودية والثقافية بل والدينية، هذه الأسئلة على لسان شخصيات متنوعة يحدوها التأمل والمعرفة، باعتبار أن اختيار الشخصيات تحكمه خلفية معرفية كذلك، فاسم طارق، وسلوى،وسعيدة، والسيد المصطفى، والهاشمي تستضمر كما هائلا من التأويلات والقراءات يمكن أن تشكل مبحثا خاصا لدلالة الأسماء لأن «الشخصيات من أصعب جوانب الفن الروائي يمكن مناقشتها تبعا لحضورها في النص».

  إن موضوع هذا العمل في نهاية المطاف وبأبسط تعاريفه رسالة فنية من الذات المتشظية الملتفحة بنيران وقسوة المجتمع، إلى مجتمع آخر يؤمن بأفكارالروايةويتبناها؛ قد نكون جزءاً منه .«فالمحك الحقيقي لعظمة القصة، أو الخلود أي أثر أدبي، على اختلاف الأساليب والموضوعات، هو مدى اتصاله بالحقائق التي تجعل الحياة الإنسانية أكثر عمقاً»، لكنما يُلاحظ علىالعمل فنيا هو طريقة الاشتغال على مفهوم الحبكة، لقد أخلت الكاتبة بقواعد هذه التقنية حينما كسرت وأوقفت الحوار الشيق المعرفي/ الوجودي بين السيد المصطفىوابنه طارق“؛ حوارٌ يتأسس على أسئلة فلسفية أنطولوجية، بنفس سردي لم يكن طويلا وعميقا، لأن الغاية الكبرى لهذا العمل تتجلى في انتقاد منظومة متوارثة ذكورية منطلقاتها القرآن والسنة، وبين الأسئلة والرهان فقَدَ مسار الحكي بوصلته، ليقع في تحنيط وتنميط خطاب المرأة، وتكرار تلك المعزوفة المتمثلة في قهر الرجال للنساء، من منطلق الدين، ولو استمرت في السؤال والحوار الفلسفيين كان العمل سيبدو بصورةأخرى. لذلك فالرهان في مواجهة الأنساق الثقافية كان مغامرةً سرديةً، من جهة البناء الفني، ومن جهة تناول الموضوع، لأن الدين في نهاية  المطاف في خدمة المجتمع، والمجتمع في خدمة الفرد، والتربية الدينية هي تحرير العقل من الأفكار المسبقة والأحكام المتوارثة كما يؤكد ذلك جان جاك روسو،ولعل الأديان جميعها تتوحد في رؤيتها وتصورها للإنسان عبر قانون أخلاقي أو ميثاق مؤسساتي منظم للسلوك وموجه له.ولعلنا نتساءل ـــ بقصد إضاءة جوانب النقد الروائي الذي يضع على عاتقه مسؤولية القراءة والتوجيه، علما أن مستويات هذا النقد تخضع بدورها لمقولات مختلفة ـــ ، لماذا ننظر  إلى الدين الإسلامي نظرة أحادية، ونتبنى خطابا واحداً ووحيداً من بين خطابات متشعبة ومتنوعة؛ وهو خطاب المرأة وعلاقتها بالرجل؟، ثم نقوم بتحليل هذا الخطاب من زاوية ضيقةمُشبعةبأفكار حداثية موغلة في التشديد والاستلاب؟ لماذا يُنظر إلى هذا الدين بمنظار واحد ضيق، هل خطاب المرأة و علاقتها بالرجل هو محور الدين؟ وهل ظلم المرأة وسلبها للحقوق هو ما يمكن أن نتحدث عنه؟ نتفق مع الكاتبة في كون المجتمعات على اختلافها تعيش هضماًلحقوق الإنسان، ثم إن علاقة الرجل بزوجته أو أبنائه إذا شابها سوء خلقٍأوإهانةٍ، فهذا السلوك لم يقر به نص،وإنما سلوك فردي أملته دواعي كثيرة منها النفسي المرضي، والسوسيو الثقافي والاجتماعي.وبناء على ذلك كيف لنا أن ننظرإلى صورة المرأة واستهلاك أنوثتها في المشهد البصري، واعتبارها مادة إعلانية ممن يدعون إلى التحرير والتحرر؟ كيف نقبل بالممارساتالعدائيةعلى النساء،؟ كيف نقبل بتشغيل القاصرين في المزارع والحقول؟ كيف نقبل بترك الأمهات في دور العجزة؟ هي أسئلة في صميم معاناة المجتمعات الإسلامية والدينيةعموما تكرس لقهر المرأة وظلمها من طرف سياسات بشرية وليس من طرف دينسماوي.

في الأخير مثلت رواية “أموات يحكموننا” سجالا معرفيا وفلسفيا ونقديا مع التراث، والمجتمع، والدين، وشكلت في جزء منها رؤية مغايرة للكتابة النسائية، لأنها لم تقع في اجترار مواضيع الذات الأنثوية، وأبانت عن تصور معرفي فلسفي ميز العمل؛ قبل أن تنزلق الحكاية إلى مسار التنميط، وتقع ضحية تصور ماضويلا ينتمي لميثاق الأخلاق الذي يدعو إليه الإسلام، وإنما هو فكر متطرف استدعته أوضاعٌ وظروفٌ سياسية،و لا يقبله عقل ولا منطق، وهو منزلق أو هفوة سردية يمكن الاصطلاح عليه  بالومضة السريعة” ( Eclat rapide(هذه الومضة السريعة أملاها غياب السياق الذي يعد موجها للخطاب ومؤثرا فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد