رواية عبْد الحميد الهوْتي “حربُ الآخرين” تجربة أدبية تَرُد عَقارب التاريخ الى ساعة الحقيقة
بقلم :عبد العزيز حيون
بِحنكة أديب وكاتب صحافي مُتَمرن ،تَناول الروائي عبد الحميد الهوتي قضية شديدة التعقيد والحساسية ليُفَصل لنا خَبايا مرحلة تاريخية ظلت تفاصيلها تتأرجح بين الرواية الرسمية ،التي تمر عليها مرورا سريعا وسَطحيا وغير مُقنع لنا كمغاربة ،وبين الرواية “الشعبية”الإسبانية التي تُشير بأصابع الاتهام الى جنود مغاربة ظُلموا في واقع الأمر مرتين ،مَرة حين أُخذوا قَسرا وقهرا الى حرب لا تعنيهم، ومَرة أُلصِقت بهم تُهَم هُم براء منها ونُسبت إليهم حكايات باطلة ومُزيفة لتصدير المسؤولية.
رواية المُهندس عبد الحميد الهوْتي ،العاشق للقراءة والكتابة بلغتي سيبويه وموليير، تَدفع القارئ الى رَد عقارب التاريخ الى ساعة الحقيقة التي غُلفَت بوقائع لا تخدم إلا مصالح من أَجج الحرب الأهلية الإسبانية ،والى الحق المُغيب الذي يُثبت ظلما و افتراء وتُهَما كاذبة ألصقت بأبرياء لم يرتكبوا جَرائم عن قصد أو عن غير قصد ..
وتَتَجاوز الأحداث المُتعاقبة في الرواية ،رغم طابعها الرومانسي والعاطفي في بعض الأحيان ، الصُور السطحية للحرب الى عمق هذه المأساة بفواجعها ولحظاتها العصيبة والسلوكات الخشنة من هذا الطرف أو ذاك ، ولتكشف جَوهر هذه الحرب المأساوية وجُذور الحقائق المُغَيبة عن سبق إصرار من أجل رفع اللبس المقصود والكشف عن زيف الادعاءات التي تداولها ويتداولها الإعلام الإسباني المُنحاز الى روايات تاريخية أبدعتها الآلة السياسية لتبرير الحرب وخلفياتها ..
والرواية أيضا هي صَرخة مُدوية ودعوة للتوقف عن “المُراوغة” التاريخية المقصودة والكشف عن جَوهر الأمور وعن جذور الحقائق غير القابلة للتأويل التي واكبت مُشاركة بعض المغاربة في هذه الحرْب وخاضت فيها بالوكالة ،وعن المعيار الأخلاقي والقيمي المعتمد من هذه الجهة أو من تلك لتبرير الخطابات السياسية المُنحازة أو الساكتة عن الحق ..
والرواية من عِنوانِها الى آخر سطْر فيها هي أيضا صَرخة من العُمق لرَد عقارب التاريخ إلى ساعة الحقيقة المجردة والكشف عن جوهر الأمور غير القابلة للتأويل ،والكشف كذلك عن زَيف الإدعاءات التي علقت بمشاركة بعض المغاربة ،مَجبورين ، في الحرب الأهلية الإسبانية في بلاد ليست بلادهم ،حيث سيطر عليهم “الخوف وهول الموت و لا شيئ غيره..” و” لم يتذوقوا حلاوة نصر ..” كما من اعتبر نفسه فائزا .
ورغم أن هذه الحرب كانت موضوع الكثير من المؤلفات في إسبانيا وقِلة في المغرب ومقالات صحفية هنا وهناك ،تَبقى هذه الرواية ذات السرد المباشر مُتَفردة ،والتي تروي الأحداث بوضوح وتَتابَع زمني منطقي دون تعقيدات ولا قَفَزات زمنية ،ولعل الهدف هو تصحيح المفاهيم الخاطئة والمُعطيات غير الدقيقة والمُلْتَوية..وكذا تجاوز المُغالطات وإزالة التشويهات التي تُناقض الواقع الحقيقي وليس الافتراضي حول الموضوع ،وتقديم معطيات صحيحة استنادا الى بَوح شهود عيان عاشوا الحرب “اللعينة” في بلاد غريبة ،بكل المآسي والآلام ووَثقوها بعُيونهم وقُلوبهم وجُروحهم وأعْطابِهم حيث “امتلكتهم شهوة البقاء الجامحة” .
الرواية تُوصِل للقارئ ،بأسلوب ذكي غارق في الإسهاب الوصفي و الصُور المُرَكبة تُعبر عن تفاعلات الشخصيات و تَنْغمِس في تاريخ الأماكن والأحداث المؤلمة والمُفرحة أحيانا وتُعري تعاسة أبطال المُنجز الأدبي ،الى ما وقع للمحاربين المغاربة من ظُلم مَرتين ،حين أُخذوا قسرا وحين أُلصقت بهم كُل مَظالم الحرب وعانوا من عدم الإنصاف وتَحملوا وِزر الآخرين ،الذين منهم ،كما قيل، من استورد فكره “المُلحد”من شرق أوروبا لتخريب إسبانيا ومنهم من “دافع عن ثوابت” البلاد وِفق خِطاب مُغَلف بالدين ،ولو على حساب الديموقراطية .
الرواية تتناول الحرب كذلك بعمق إنساني و هي تُركز على أبعاد عاطفية وغرامية لمقاتل مغربي شاهِد على المآسي الدموية في الحرب الأهلية الإسبانية كانت له هوامش حُب الآخر ..وتَستعرض يومياته ومواجهاته النفسية ومعاناته في إسبانيا التي اقتيد إليها كُرها وأفسدت عليه أحلامه الجميلة والبسيطة ،وهي الحرب “الخبيثة” ،التي “لم يَجن منها غير الحَسرة والأَسى والريبة والشك والضجر “.
ويُلمح الكاتب الى الاستغلال البَشِع لنظام فرانسيسكو فرانكو لعدد لا يُستهان به من المغاربة عبر توظيف خِطاب ديني بشكل خادع وماكر واستغلال المشاعر الدينية لمساندة فرانكو في “الحرب المقدسة” بعد أن رَوج أنه اعتنق الاسلام ليلعب على ورقة “المُواخاة” بين المسلمين والمسيحيين وتأليبهم ضد الخصوم “الشيوعيين أعداء الدين ،والكفار” وضمان ولائِهم وحَماسهم.
ومضمون الرواية يُعد أيضا رَدا عادلا على الحكايات الظالمة والباطلة ضد المحاربين المغاربة ،التي تتداولها الألسنة في إسبانيا الى اليوم ،و هي تُظهر الجانب الإنساني والنفسي للمظلوم،الذي أُجبر على فِراق أعَز الناس الى قلبه ،الأم والزوجة والإخوة و الأقرباء والأخ من الأب والعم والخالة ،وانتابه دائما إحساس عميق بالغربة والحنين في بلد لا علاقة له به رَمَته إليه الأقدار ،وذلك البلد بالنسبة لبطل الرواية “هُوة الفراغ السحيق” .
و العنوان في حد ذاته هو إنصاف معنوي ودعوة لرد الاعتبار ..وجَواب صَريح وواضِح على من يُشكك في أسباب مشاركة المغاربة في هذه الحرب “القذرة” التي لم تكن تعنيهم في شيئ وأُرغموا إِرغاما على الانخراط فيها ليقحموهم في قضية سياسية داخلية بعيدة كل البعد عن اهتماماتهم وقضاياهم ،ويُلحقوا بهم المصائب والويلات بالجُمْلة ..
كما أن العنوانَ هو في حد ذاته “مَوقف مُعلن” لتجنب البطلان وكشف المستور لتاريخ لم يُنصف المحاربين المغاربة ولازال يَسرد الأكاذيب عن مغاربة دُفِعوا الى حرب بالوكالة واستغلوا مآسيهم وفقرهم وحاجتهم وأوضاعهم الهَشة وعُرضت حياتهم للخطر في حرب مازالت تُثير سِجالا سياسيا عنيفا في إسبانيا حول أسبابها وخلفياتها ونتائجها وحيثياتها وضحاياها الأبرياء من الإسبان بخاصة ..
لُغة الرواية شَيقة ومُباشرة ،فهي تَجمع بين حيوية السرد الأدبي ودِقة وصف الوقائع التاريخية للإحاطة بما حدث في الماضي فِعلا ودِقة الوصف الجغرافي ، و هي تعتمد أساليب سَردية جَذابَة وتفاصيل تَخدم الحِبكة لتبقى مُحفزة للقارئ، وتنقل العبر والقيم بطريقة سهلة ومؤثرة، مما يجعلها وسيلة ممتعة لفهم تاريخ الحرب “اللعينة” .
وتَفَنن المُهندس عبد الحميد الهوْتي في تحويل قِصص إنسانية بسيطة وحقائق تاريخية في غاية التعقيد إلى قصص مُشوقة أبطالها شخصيات حَية ربطتهم علاقات على هامش الحَرب وفي عُمق أحداث الحرب ،لتُضيف توابل أدبية وإثارة مُشوقة على الرواية بعيدا عن السرد التاريخي الجاف ..
وحتى يَتَجنب الِإسهاب في التفاصيل التاريخية يستخدم الكاتب حوارات بين أبطال الرواية خَدَمت الحبكة ودَمَجت التاريخ بالحياة الإنسانية البسيطة وحَركَت الأحداث لتوصل الرواية الى نقطة الذروة وإضفاء الواقعية عليها للنبش في قضايا اختلافية عميقة ماكانت لتثير اهتمام المغاربة لولا أن أُقحموا فيها بدون إرادتهم أو بطرق مُلتوية .
المهندس الهوْتي ،المُنشغل بالأدب والفلسفة والمُكرس جل وقته للكتابة الأدبية والصحافية ،بَرِع في المَزج بين متضادات وثنائيات متضاربة ،مثل العنف والعاطفة و الصراع الداخلي والواقع الخارجي المُعقد والحب والقلق والتجوال السياحي وساحة الوَغى ، حيث تتشابك المشاعر الإنسانية مع مواقف قاسية وواقعية مُذلة ومُرة لبناء عمل سردي عميق يَغوصُ في تعقيدات النفس البشرية ويُوضح كيف تتفاعل هذه الظروف مع الظروف القاسية..
وتتجسد هذه الثنائيات في تحليل نفسي دقيق لشخصيات الرواية الأساسيين ،أحمد وماريا كارمن والعربي وبيلار وعالية الحجاجية و..،وعلاقاتها المُنهارة أو المُضطربة أو الرومانسية العابرة أو الدائمة أو الإنسانية البسيطة …
وانغمس الكاتب ما مرة في التحليل النفسي لأبطاله القارين والثانويين لشرح خلفياتهم ودوافعهم في الحياة ،وكيف يتأثر الحب بالحرب بعنفها وفضاعاتها ..؟،وكيف تتفاعل النفس الإنسانية مع الظروف القاسية التي تَتَقفى وتَتَبع أثَر ضوء خافِت من الأمل مُتطلعة الى العيش الكريم والهناء والسعادة والاستقرار..؟.
كما حاول ،مع تعاقُب أحداث الرواية ، المزْج بين الواقعية والمثالية وتغطية الفجوة الصارخة ،بفعل ظروف الحرب “اللعينة “، بين الأحلام التي تُمثلها المرأة “الشجرة الوارفة الظلال “والواقع المُزري الذي تُمثله ” آلام آلة الحرب العمياء على الجسد وعلى الروح.. الأشد على الانسان من سكرات الموت..”…
ويُبَين الكاتب الهوْتي للقارئ كيف أن مَتاعب الإنسان المحارب أو الذي عاش ويلات الحرب ،بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، لا تنتهي حتى بعد نهاية الحرب ،كما أن أهوال الحرب “لا تصيب الجنود والمحاربين فقط ،بل هي كأس سُم تَرشف شرابَه كل الشفاه وتكتوي بناره النفوس القريبة والبعيدة ..”
فالحرب تترك نُدوبا عميقة نفسية وجسدية واجتماعية تَستمر آثارها على الإنسان بتفاوتات ،بين من يتناساها الى أن يُوارى جسمانه الثرى ،وبين من يتعايش معها ، وبين من تُدمره الى الأبد …


