مليار و622 مليون درهم لمطرح “البوغاز”… لكن من يجبر ضرر قرى طنجة الكبرى ؟
بقلم : حسن الحداد المنزلي
كل تأخير فيه الخير؟… عشر سنوات من الترافع تنتهي باعتراف رسمي بضرورة تصحيح المسار
من الترافع إلى الاعتراف… المنزلة و البيئة و العدالة المجالية … لا تقبل التأجيل
عقد من الترافع من أجل قرى طنجة الكبرى … واليوم يعترف الواقع بما أنكرته التقارير….
الاعتراف بالاختلالات خطوة مهمة… والضمانات والعدالة البيئية هما الاختبار الحقيقي
ليس من السهل أن تخصص الجهات الوصية أكثر من 1.6 مليار درهم لإنجاز مركز جديد لطمر وتثمين النفايات المنزلية بالمنزلة ، بمواصفات تقنية تشمل الفرز، وتثمين النفايات، وإنتاج الطاقة من الغاز الحيوي، ومعالجة العصارة، وتدبير مياه الأمطار، وإحداث آليات جديدة للحكامة والتتبع.
لكن وسط هذه الأرقام، يظل سؤال بسيط يفرض نفسه بقوة:
إذا كانت هذه المنشآت والضمانات ضرورية اليوم، فلماذا لم تكن حاضرة بالأمس رغم التسويق الاشهاري لها في بداية المشروع ؟
هذا السؤال لا يهدف إلى جلد الماضي، بل إلى حماية المستقبل.
عقد من الترافع… خارج الحسابات الضيقة
منذ أكثر من عشر سنوات، ظل مطرح المنزلة بالنسبة إلينا قضية بيئية وحقوقية قبل أن يكون موضوعا سياسيا أو انتخابيا.

كتبنا عن معاناة ساكنة المنزلة وولاد زيان وسكدلة ومضيار وحجر النحل ودار اللماعي وسبت الزينات (جماعة المنزلة .دار الشاوي .سبت الزينات .حجر النحل .اقواس برييش) وغيرها من الدواوير التي تحملت العبء البيئي لمدينة طنجة الكبرى.
كتبنا عن الأرض التي تلوثت، وعن المياه الجوفية، وعن الروائح الكريهة، وعن الأكياس البلاستيكية التي حملتها الرياح، وعن العصارة التي سالت على الطريق الإقليمية، وعن الأخطار التي تهدد محمية تهدارت، في وقت اختار فيه البعض تحويل الملف إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إلى وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية أو شد طلق بين المعين و المنتخب .
لذلك كان موقفنا واضحا منذ الإعلان عن إغلاق مطرح مغوغة:
إغلاق مطرح مغوغة مسألة وقت… أما مطرح المنزلة فمسؤولية الجميع.
اعتراف رسمي… بطريقة غير مباشرة :
الموافقة على مشروع جديد بكل هذه المواصفات ليست مجرد استثمار مالي.
إنها، في جوهرها، اعتراف عملي بأن النموذج السابق عرف اختلالات كبيرة استدعت إعادة التفكير من الأساس.
فلو كانت التجربة السابقة ناجحة، لما احتاج الأمر إلى محطة لمعالجة العصارة، ومنشآت لتثمين الغاز الحيوي، وتجهيزات خاصة بتدبير مياه الأمطار، وآليات جديدة للتتبع، ولجنة محلية برئاسة والي الجهة.
إنها تفاصيل تقول بلغة المشاريع ما لم يقل صراحة في البيانات.

الضمانات… قبل الاحتفال
التقنيات وحدها لا تحمي البيئة.
دفاتر التحملات السابقة كانت تتضمن بدورها التزامات كثيرة، لكن الواقع كشف أن الأمطار ورياح الشرقي هي المعارضة الفعلية و كانت أكثر صدقا من التقارير الإدارية.
الطبيعة نفسها فضحت الاختلالات، حين جرفت النفايات، وتسربت العصارة، ووصل التلوث إلى محيط حساس بيئيا.
لذلك، فإن نجاح المشروع الجديد لن يقاس بحجم الاستثمار، بل بقدرته على منع تكرار تلك المشاهد.
فالضمانة الحقيقية ليست الخرسانة ولا المعدات، بل المراقبة الصارمة، والشفافية.
جبر الضرر… الحلقة التي لا يجوز تجاهلها
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
من سيجبر ضرر الساكنة التي تحملت سنوات من الأضرار البيئية؟
فالعدالة البيئية لا تعني فقط بناء مطرح أفضل” مركز الطمر و الثتمين ” ، بل تعني أيضا إنصاف من دفعوا ثمن الاختلالات السابقة.
ولهذا يصبح من المشروع المطالبة بتخصيص جزء مستقل من الاعتمادات المالية أو من برامج موازية لإنجاز مشاريع تنموية لفائدة الدواوير المتضررة، تشمل تحسين المسالك الطرقية، وتقوية البنيات الأساسية، وإحداث مرافق القرب والسوسيو رياضية، ودعم التنمية المحلية و تعويض الفلاحة المتضررين ، باعتبارها جزءا من جبر الضرر الجماعي، انسجاما مع مبادئ العدالة المجالية وروح الفصل 31 من الدستور.
من أجل مشروع لا يكرر أخطاء الماضي
إن نجاح مركز “البوغاز” يقتضي أن يواكبه عدد من الإجراءات الأساسية:
فتح تقييم شفاف للتجربة السابقة .
اعتماد مراقبة بيئية مستقلة ومستمرة، مع نشر نتائجها للرأي العام.
إعتماد التشاركية في لجان اليقظة والتتبع.
ضمان معالجة العصارة والغازات ومياه الأمطار وفق أعلى المعايير البيئية.
إطلاق برنامج واضح لجبر الضرر لفائدة الساكنة المتضررة.
طنجة الكبرى تستعد لاستحقاقات عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
ولا يمكن لمدينة تقدم نفسها بوابة للاستثمار، وواجهة للمغرب الحديث، أن تظل رهينة ذاكرة مطرح خلف آثارا بيئية واجتماعية لم تندمل بعد.
اليوم، يولد الأمل مع المدينة الذكية طنجة تيك و مع مركز ” مطرح ” جديد، لكن الثقة لا تبنى بالإعلانات ولا بالأرقام، بل بالوفاء بالالتزامات.
فالمطرح الجديد قد يكون بداية صفحة مختلفة، شريطة ألا يقتصر الإصلاح على تغيير الية التدبير أو التكنولوجيا، بل أن يشمل أيضا جبر الضرر، واحترام كرامة الإنسان، وصون البيئة، و ترسيخ الحكامة و الشفافية و الحق في المعلومة البيئية .
عندها فقط، سيكون المشروع الجديد انتصارا للتنمية، لا مجرد استبدال مطرح بمركز الطمر والتثمين علما ان الإعلان عن برنامج طنجة الكبرى يوم 8شتنبر 2013تضمن هذا الاسم في باب البيئة .



