طنجة-أصيلة بعد 23 شتنبر… الصندوق قال كلمته، لكن سؤال الثقة بقي مفتوحا؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
لم يعد السؤال، بعد اقتراع 23 شتنبر، من تصدّر النتائج ومن حل ثانيا، فقد قالت صناديق الاقتراع كلمتها، وأعلنت وزارة الداخلية النتائج المؤقتة على المستوى الوطني، فيما أظهرت المعطيات المعلنة بدائرة طنجة-أصيلة تصدر حزب العدالة والتنمية للنتائج المحلية بنسبة 31.49 في المائة، مع نسبة مشاركة بلغت 25.51 في المائة، في دائرة تضم خمسة مقاعد.
لكن خلف الأرقام، يبقى سؤال أكبر يستحق التوقف عنده: ماذا تقول هذه الانتخابات عن منسوب الثقة في طنجة-أصيلة؟
25.51 في المائة… عزوف أم رسالة؟
نسبة المشاركة في طنجة-أصيلة، 25.51 في المائة، تبدو أكثر دلالة حين توضع إلى جانب المعدل الوطني الذي بلغ 38.08 في المائة. الفارق ليس مجرد رقم في جدول النتائج، بل مؤشر يستحق القراءة، خصوصا في مدينة بحجم طنجة ومكانتها الاقتصادية والديموغرافية.
هل يتعلق الأمر بعزوف انتخابي؟ أم بمسافة متزايدة بين جزء من الناخبين والعمل السياسي؟ أم أن فئة من المواطنين اختارت عدم المشاركة لأسباب مختلفة؟
لا يمكن لنسبة المشاركة وحدها أن تجيب عن هذه الأسئلة، لكنها تضع الثقة في قلب النقاش الذي يلي الانتخابات.
المدينة والبادية… من يصنع النتيجة؟
طنجة-أصيلة ليست مدينة فقط. خلف مركز طنجة يوجد مجال قروي واسع، ولهذا فإن قراءة النتيجة تحتاج إلى النظر أيضا إلى وزن أصوات البادية وتأثيرها في الخريطة الانتخابية.
وهنا يبرز سؤال يحتاج إلى نقاش هادئ بعيدا عن الأحكام الجاهزة: هل أصبح التصويت في البادية اختيارا سياسيا مبنيا أكثر على القناعة والبرامج، أم ما تزال، في بعض المناطق، تأثيرات الشخص والرمز والعادة الانتخابية حاضرة؟
المهم أن أصوات البادية ليست هامشا في المعادلة الانتخابية، بل جزء من النتيجة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، ولذلك فإن الحديث عن تمثيل طنجة-أصيلة لا يمكن أن يفصل المدينة عن محيطها القروي.
مواقع التواصل… من الحملة إلى صناعة الانطباع:
هذه الانتخابات أكدت أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة لنشر صور المرشحين وبرامجهم، بل أصبحت جزءا من المجال الذي تتشكل داخله صورة السياسي والحزب والمرشح.
لكن سرعة انتشار المحتوى الرقمي تفرض مسؤولية أكبر، فالمعلومة غير الدقيقة والمقطع المجتزأ قد يصنعان انطباعا خاطئا، ويؤثران في النقاش الانتخابي والثقة في الفاعلين السياسيين.
بعد الانتخابات، لا تنتهي هذه المسؤولية. بل تصبح أكثر أهمية، لأن المطلوب هو الانتقال من منطق الحملة إلى منطق المتابعة والمساءلة.
في طنجة-أصيلة، تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج المعلنة، متبوعا بالأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، بينما سجل تحالف اليسار 4.53 في المائة، مقابل 3.97 في المائة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و1.24 في المائة للتقدم والاشتراكية، و1.26 في المائة للاتحاد الدستوري.
وهنا تستحق نتيجة تحالف اليسار وقفة خاصة، ليس باعتبارها حكما على باقي الأحزاب، وإنما باعتبارها رقما انتخابيا جديدا داخل المشهد المحلي، خصوصا مع حصوله على نسبة تفوق تلك التي سجلها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المعطيات المعلنة بالدائرة.
السؤال السياسي هنا ليس من «انتصر» ومن «انهزم»، بل ماذا تقول هذه الأرقام عن اختيارات جزء من الناخبين، وعن قدرة التحالفات والصيغ السياسية الجديدة على استقطاب الأصوات؟
الانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن علاقة المواطن بالمنتخب لا ينبغي أن تنتهي عند باب مكتب التصويت.
المنتخبون الذين أفرزتهم صناديق الاقتراع يدخلون الآن مرحلة مختلفة: مرحلة العمل، والتواصل، وتتبع الملفات، والدفاع عن مصالح الدائرة بمختلف مكوناتها، في المدينة والبادية، ومع من صوت لهم ومن لم يصوت.
فالناخب لا يحتاج بعد الانتخابات إلى خطب جديدة، بقدر ما يحتاج إلى أن يرى أثر الاختيار الذي وضعه في الصندوق.
وقد تختلف الأصوات داخل الصندوق، لكن الديمقراطية لا تحتاج إلى أن تتطابق الأصوات، بل تحتاج إلى أن تحترم.
وهنا تحديدا يبدأ امتحان الثقة.
فالانتخابات حسمت الاختيار الانتخابي، لكن الثقة لا تمنح في يوم الاقتراع فقط، بل تبنى خلال ولاية كاملة من العمل والتواصل والمساءلة.
طنجة-أصيلة قالت كلمتها في 23 شتنبر. الآن، الكرة في ملعب المنتخبين والأحزاب، والاختبار الحقيقي هو: هل تستطيع النتائج أن تتحول إلى ثقة أكبر في السياسة والتمثيل والمؤسسات؟


