من «القفة خاوية» إلى العدالة المجالية… 23 شتنبر وولاية جديدة أمام امتحان الثقة والاستقرار
بقلم : الحداد حسن المنزلي
الجهوية المتقدمة، الحكم الذاتي، التنمية المتوازنة ومونديال 2030… تحديات كبرى تجعل من الولاية المقبلة امتحاناً للثقة والعدالة المجالية
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، تنتهي الحملة الانتخابية، لكن الأسئلة الحقيقية التي تهم المواطن لا تنتهي بانتهاء الحملات والملصقات والخطابات. فالانتخابات ليست فقط مناسبة لاختيار ممثلي الأمة، وإنما لحظة لإعادة طرح سؤال العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وبين الوعود والانتظارات، وبين ما يقال في الحملة وما يجب أن يتحول إلى عمل وتشريع ومراقبة خلال الولاية المقبلة.
والحكومة حددت رسميا يوم 23 شتنبر 2026 موعدا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما تمتد الحملة الانتخابية إلى منتصف ليلة 22 شتنبر.
ومن هنا يمكن أن تبدأ الحكاية من عبارة بسيطة تختصر جزءا كبيرا من يوميات الأسر: «القفة خاوية».
ليست المسألة مجرد ارتفاع في أسعار بعض المواد، وإنما سؤال القدرة الشرائية، والدخل، والأسعار، والمنافسة، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وضمان قدرة المواطن على اقتناء حاجياته الأساسية بكرامة.
المواطن لا يحتاج إلى خطب طويلة ليشرح معنى الغلاء. يكفي أن يدخل إلى السوق.
لكن القفة ليست وحدها التي تحتاج إلى إجابة.
من القدرة الشرائية إلى الصحة…
إذا كانت القدرة الشرائية تقيس جانبا من الوضع الاجتماعي، فإن الصحة تكشف جانبا آخر من جودة الحياة.
الانتظار الطويل للحصول على موعد مع طبيب مختص، والتنقل بين المؤسسات الصحية من أجل فحص أو تصوير طبي، وتوفر الأدوية والمستلزمات، والفوارق بين المدينة والبادية والمناطق الجبلية، ثم كلفة العلاج بالنسبة إلى المصابين بالأمراض المزمنة، كلها أسئلة تتجاوز الخطاب الانتخابي إلى صميم الحقوق اليومية للمواطن.
ويضاف إلى ذلك سؤال أكثر حساسية: هل يعرف المواطن مسبقا ماذا سيدفع مقابل الخدمة الصحية، سواء في القطاع العمومي أو الخاص؟
الشفافية في الفواتير، وضوح الأسعار، احترام حقوق المرضى، وتوفير العلاج في ظروف تحفظ الكرامة، ليست تفاصيل ثانوية. إنها جزء من الثقة التي يحتاجها المواطن في المؤسسات والخدمات العمومية.
ولاية مقبلة ليست كغيرها
اختيار أعضاء مجلس النواب في هذه الاستحقاقات يأتي في سياق وطني يحمل ملفات كبرى وتحديات متداخلة.
فالمرحلة المقبلة ترتبط، من بين ملفاتها، بمواصلة تنزيل الجهوية المتقدمة، وبالدينامية الجديدة التي تعرفها قضية الوحدة الترابية والحكم الذاتي، إلى جانب برامج التنمية الترابية المندمجة والاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
أما على مستوى الاستعدادات لمونديال 2030، فقد أطلقت المملكة مسارات ومؤسسات وبرامج مرتبطة بهذا الاستحقاق، فيما ستكون طنجة من المدن المغربية المستضيفة للمنافسات، بما يحمله ذلك من تحديات وفرص على مستوى البنيات التحتية والتنمية والاستثمار والخدمات.
لهذا، فإن الولاية المقبلة لا ينبغي أن تقرأ فقط من زاوية عدد المقاعد أو أسماء الفائزين، وإنما من زاوية ما ينتظر ممثلي الأمة من تشريع ومراقبة ومواكبة لهذه التحولات.
طنجة ـ أصيلة… العدالة المجالية تبدأ من المجال،
وفي طنجة ـ أصيلة، لا يمكن الحديث عن التنمية من دون الحديث عن المجال بكامله.
فالمدينة ليست جزيرة منفصلة عن محيطها القروي، كما أن البادية ليست مجرد خزان انتخابي يعود إليه السياسيون خلال الحملات ثم تختفي بعد إعلان النتائج.
حزام طنجة القروي هو امتداد جغرافي واقتصادي واجتماعي للمدينة، ويمكن أن يكون مجالا لتخفيف الضغط عنها، وفضاءا للسكن والاستثمار والإنتاج والخدمات، إذا جرى التخطيط له باعتباره جزءا من مستقبل طنجة وليس هامشا تابعا لها.
وهنا تبرز الحاجة إلى تخطيط يراعي خصوصيات كل منطقة ومؤهلاتها، بدل وضع المجال القروي كله في سلة واحدة.
البادية لا تطلب المستحيل
الساكنة القروية والجبلية لا تطلب بالضرورة مشاريع ضخمة.
قد يكون مطلبها طريقا أو مسلكا صالحا للاستعمال، وماءا صالحا للشرب، ورخصة بناء وفق مساطر واضحة، ومدرسة قريبة، وخدمة صحية، ووسيلة نقل، وسوقا أسبوعيا منظما.
هل هذا مستحيل في مغرب 2026؟
العدالة المجالية تبدأ أحيانا من هذه التفاصيل التي تبدو صغيرة في الأوراق، لكنها كبيرة جدا في حياة الناس.
والهدف ليس تحويل البادية إلى مدينة، وإنما تمكينها من شروط العيش الكريم مع الحفاظ على هويتها وطبيعتها وخصوصياتها.
لكل منطقة مؤهلاتها… ولكل مؤهل تخطيطه
منطقة سبت الزينات والعوامة ودار الشاوي والمنزلة وحجر النحل تحتاج إلى رؤية تنموية تستحضر موقعها وعلاقتها بالمدينة، والضغط العمراني المتزايد، والحاجة إلى السكن والخدمات والنقل.
أما مدينة الشرافات وإبن بطوطة، فيمكن أن يشكلا قطبين يحتاجان إلى مواكبة عمرانية وخدماتية متكاملة، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها محيط طنجة.
وفي الواجهة الأطلسية، يمكن للمجالات الساحلية مثل أقواس برييش والساحل الشمالي أن تشكل رافعة للسياحة المستدامة والأنشطة المرتبطة بالبحر والصيد، مع الحفاظ على الشواطئ والمجالات الطبيعية.
أما سيدي اليماني وأحد الغربة، فلهما مؤهلات فلاحية يمكن تطويرها لتقوية الإنتاج المحلي وتزويد سوق طنجة ـ أصيلة، مع دعم الفلاحة وتربية الماشية وتثمين المنتجات المحلية.
وفي المنزلة ودار الشاوي، يمكن للجبال والمجالات الطبيعية أن تتحول إلى رافعة للسياحة القروية والبيئية، بدل أن تبقى مؤهلات طبيعية غير مستثمرة بما يكفي.
هذه ليست دعوة إلى توزيع المشاريع بطريقة حسابية، وإنما إلى التخطيط والتميز والترميز وفق خصوصيات ومؤهلات كل منطقة.
طنجة الكبرى تبدأ أيضا من محيطها،
إن توسع طنجة الاقتصادي والصناعي، وخاصة مع محيط طنجة تيك، يفرض التفكير في المجال القروي المحيط بها من زاوية جديدة.
فإذا كانت المدينة تستقطب الاستثمارات والعمال والطلب على السكن والخدمات، فإن محيطها القروي يمكن أن يستفيد من هذا التحول من خلال التكوين المهني، وفرص الشغل، والسكن ، والخدمات، والأنشطة الاقتصادية.
اما الشباب والنساء في العالم القروي يجب ألا يكونوا خارج هذه الدورة الاقتصادية.
التكوين المهني ينبغي أن يصل إلى الحزام القروي، وأن يرتبط بحاجيات سوق الشغل والاستثمارات القائمة والمقبلة، حتى لا تبقى فرص العمل قريبة جغرافيا وبعيدة اجتماعيا.
البيئة ليست هامشا في العدالة المجالية:
لا يمكن بناء تنمية ترابية حقيقية فوق التلوث.
حماية الغابات والمجالات الطبيعية، والحد من مصادر التلوث في المدينة والبادية، والحفاظ على الموارد المائية، كلها ملفات ترتبط مباشرة بجودة الحياة.
وفي هذا السياق، يظل ملف مطرح المنزلة من الملفات التي تحتاج إلى معالجة بتطويره إلى مركز الطمر والتثمين باعتباره منشأة يجب أن تستجيب للمعايير البيئية، وأن تكون علاقتها بمحيطها الطبيعي والسكاني علاقة حماية لا مصدر قلق.
فالتنمية لا تعني نقل المشاكل من مركز المدينة إلى أطرافها.
الأسواق الأسبوعية… اقتصاد محلي يحتاج إلى تنظيم:
الأسواق الأسبوعية ليست مجرد أماكن للبيع والشراء.
إنها جزء من الاقتصاد المحلي، ومن الحياة الاجتماعية للبادية، ومن علاقة المنتج بالمستهلك.
لذلك فإن تأهيل الأسواق الأسبوعية يجب أن يشمل النظافة، والماء، والتطهير، والسلامة، والتنظيم، وظروف عرض المنتجات، بما يحفظ كرامة البائع والمشتري معا والزائر.
وهنا أيضا تلتقي العدالة المجالية مع حماية المستهلك.
وضوح الأدوار… شرط لنجاح التنمية:
من الصعب أن يلمس المواطن أثرا واضحا للتنمية إذا بقيت الأدوار موزعة بطريقة غير واضحة بين مختلف المتدخلين.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى وضوح أكبر في توزيع الاختصاصات والمسؤوليات بين الجماعات الترابية ومختلف المؤسسات، وإلى تقريب الغرف المهنية من المواطنين والمهنيين، حتى تؤدي دورها التنموي والاقتصادي بصورة أكثر فعالية.
فالجهوية المتقدمة ليست فقط توزيعا للاختصاصات، وإنما مسؤولية في تدبير المجال وتحويل المؤهلات المحلية إلى فرص حقيقية.
والوثائق الرسمية المؤطرة لبرامج التنمية الجهوية نفسها تضع تنفيذ البرامج وتتبعها وتقييمها والحوار والتشاور حولها ضمن صلب مسار الجهوية المتقدمة.
مونديال 2030… هل تستفيد المدينة وحدها؟
حين نتحدث عن 2030، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا ستربح طنجة؟
السؤال الأوسع هو: كيف ستستفيد طنجة ـ أصيلة بكل مكوناتها؟
الاستثمارات المرتبطة بالحدث العالمي يجب أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في المجال ككل، وليس فقط في وسط المدينة أو محيط المنشآت الكبرى.
النقل، الطرق، السياحة، البيئة، التكوين، الخدمات، السكن، الاقتصاد المحلي، والمجالات القروية المحيطة، كلها عناصر في صورة واحدة.
وإذا كان العالم سيصل إلى طنجة سنة 2030، فإن من حق سكان طنجة ـ أصيلة أن يشعروا قبل ذلك بأن التنمية وصلت إليهم.
الثقة… ما بين «القفة خاوية» والعدالة المجالية،
تعود كل هذه الملفات إلى كلمة واحدة: الثقة.
ثقة المواطن في أن صوته ليس مجرد رقم في يوم الاقتراع.
ثقة المواطن في أن المؤسسة التي تمثله تسمعه بعد الانتخابات كما تسمعه قبلها.
ثقة المواطن في أن القرارات لا تتخذ بعيدا عن واقعه.
وثقة المواطن في أن المدينة والبادية، والفقير ، والشاب والمرأة، والمستهلك والمهني، جميعهم جزء من تصور واحد للتنمية.
الولاية المقبلة ينبغي أن تكون ولاية لتعزيز وترسيخ جسور الثقة بين المواطنين والمؤسسات، لأن الثقة ليست شعارا سياسيا، وإنما صمام أمان للتقدم والاستقرار.
وفي طنجة ـ أصيلة، يبدأ هذا الاختبار من أبسط الأسئلة: ماذا سيحدث للقفة؟ ماذا سيحدث للصحة؟ ماذا سيحدث للبادية؟ ماذا سيحدث للبيئة؟ ماذا سيحدث للشباب؟ وماذا سيحدث لكل هذه الملفات عندما تنتهي الانتخابات وتبدأ الولاية؟
هنا بالضبط تنتقل الانتخابات من «القفة خاوية» إلى العدالة المجالية، ومن الوعود إلى المسؤولية.
فالاستحقاق ينتهي يوم الاقتراع، لكن آثار الاختيارات تمتد طوال الولاية.
وما يحتاجه المواطن في النهاية ليس مزيدا من الكلام، وإنما مؤسسات تفي بما تقول، ومجالا لا يشعر فيه أحد بأنه خارج حسابات التنمية.



