الدبور الشرقي يزحف من تطوان إلى سواحل طنجة… غزو بيولوجي يهدد النحل والأمن الغذائي
بقلم : الحداد حسن المنزلي
شهادات ميدانية وتشخيص علمي يدقّان ناقوس الخطر وسط دعوات لتدخل مؤسساتي عاجل
بعد التضامن الميداني الذي شهدته منطقة تطوان لمواجهة الدبور الشرقي، تصل شهادات جديدة من ساحل طنجة الصخري، من مرقالة إلى منارة كاب سبارطل مرورا بمنطقة كاريان، تؤكد أن الأمر تجاوز حادثا معزولا ليصبح ظاهرة متوسعة وغير مسبوقة هذا الموسم. فبعد أن كان هذا النوع غائبا بشكل مطلق ، بات حضوره كثيفا وملحوظا، وهو عدو شرس لنحل العسل يشنّ هجمات منظمة تؤدي إلى إبادة الخلايا بالكامل.
والمفارقة تتكرر: يقظة المواطنين والمزارعين الذين يوثقون الظاهرة ويدقّون ناقوس الخطر، مقابل غياب استجابة مؤسساتية واضحة ومنظّمة حتى الآن. وليست هذه السابقة الأولى، فقد عاشت مناطق من المملكة تجربة مشابهة مع “الحشرة القرمزية” التي اجتاحت الصبار منذ 2016 وأتلفت آلاف الهكتارات، وسط شكاوى من بطء التدخل الرسمي حينها. والسؤال اليوم: هل نكرر نفس التأخر مع الدبور الشرقي، أم نستفيد من الدرس؟
ولفهم الأبعاد العلمية للظاهرة، تواصلنا مع الدكتور أحمد الطاهري، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم بتطوان التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، الذي أكد أن ما نعيشه اليوم هو “غزو بيولوجي” بالمعنى العلمي الدقيق، وليس مجرد اختلال بيئي محلي. فالنوع دخل على الأرجح عبر النقل البحري من قادس مرورا بسبتة، حيث رصد لأول مرة سنة 2023، وهو الآن في مرحلة “التزايد الأسّي” التي تعقب عادة فترة كمون لدى الأنواع الغازية. ويجتمع لصالح انتشاره مناخ الشمال المتوسطي القريب من موطنه الأصلي، ووفرة الموارد في الوسط الحضري من حدائق ونقط ماء ونفايات ومناحل، وغياب أعداء طبيعيين متخصصين لم ينتقلوا معه إلى بيئته الجديدة. أما التغير المناخي، بحسب الدكتور الطاهري، فهو عامل مساعد يطيل موسم نشاطه وليس السبب الأول، مع الإشارة إلى أن ظهور الملكات والذكور هذا الموسم يُنذر بأعداد أكبر من الأعشاش السنة المقبلة.
وعن خطورته على الإنسان، يوضح المختص أن سمّه ليس أخطر بكثير من سموم الدبابير الأخرى، لكن الخطر الحقيقي يكمن في اللسعات المتعددة عند إزعاج عش أرضي دون انتباه، وفي حالات الحساسية لدى بعض الأشخاص، خاصة الأطفال والمسنين. أما بخصوص إمكانية القضاء الكامل عليه، فيوضح الدكتور الطاهري أن الأمر صعب على المدى القريب وليس مستحيلا، مستندا إلى تجارب دول أخرى أكدت أنه بعد استقرار هذا النوع وتكاثره، يصعب القضاء عليه رغم تكثيف مجهودات المكافحة. لذلك يبقى الهدف الواقعي في المرحلة الحالية هو الحد من انتشاره وخفض كثافته قرب التجمعات السكنية والمناحل، عبر رصد الأعشاش وإتلافها بفرق مكوَّنة، ومصائد انتقائية قرب المناحل فقط، وتضييق مداخل الخلايا، ومراقبة الموانئ، وإشراك المواطنين في التبليغ، مع التحذير من الرش العشوائي للمبيدات والمصائد غير الانتقائية التي تقتل الحشرات المحلية النافعة والملقحات دون تمييز.
وينصح الدكتور أحمد الطاهري كل من يعثر على عش بالابتعاد بهدوء لمسافة لا تقل عن خمسة أمتار، وإبعاد الأطفال والحيوانات، وتجنب أي اهتزاز قريب منه كجزّ العشب، ثم تصويره من بعيد والتبليغ عنه للجماعة أو الوقاية المدنية، دون محاولة إتلافه ذاتيا أو صب البنزين أو إشعال النار أو سدّ مدخله أو رشه بمبيد منزلي، فكل هذه الممارسات تزيد الخطر بدل احتوائه. أما النحّالون فمطالبون بالحفاظ على طوائف قوية، وتضييق مداخل الخلايا في الخريف، وعدم ترك العسل أو الشمع أو النحل الميت مكشوفا.
وعلى مستوى التوصيات المؤسساتية، يدعو المختص قطاع التنمية المستدامة والوكالة الوطنية للمياه والغابات إلى تصنيف الدبور الشرقي والدبور الأوروبي ضمن الأنواع الغازية الدخيلة، ووضع الدبور الآسيوي وصنف “بيكولور” على لائحة إنذار، مع مراقبة خاصة لمحمية بوهاشم حيث سبق أن رُصد الدبور الأوروبي فيها، كما يدعو المكتب الوطني للسلامة الصحية ووزارة الفلاحة إلى إدماج هذه الآفة ضمن التتبع الصحي لقطاع النحل وإحصاء خسائر الطوائف، ويطالب موانئ طنجة المتوسط وطنجة المدينة بمراقبة البضائع والمركبات القادمة من إسبانيا، فيما يبقى على الجماعات الترابية والوقاية المدنية تنظيم عمليات التبليغ وإتلاف الأعشاش عبر فرق مكوَّنة، وعلى وزارة الصحة توعية المهنيين الصحيين والأشخاص المعروفين بحساسيتهم ، على أن تُستكمل هذه الجهود بشبكة رصد موحدة بين الجامعات والنحّالين لدراسة أصل هذه التجمعات وتأثيرها.
وخلاصة القول: إن ما يؤكده العلم اليوم لا يترك مجالا للتردد فالدبور الشرقي استوطن، والقضاء عليه صعب على المدى القريب وإن لم يكن مستحيلاً، لذا فالهدف الأقرب للواقع هو احتواؤه بخطة علمية منظمة قبل فوات الأوان. والرسالة واضحة: التشخيص العلمي جاهز، والتوصيات محددة بدقة، فلا عذر لأي جهة معنية في التأخر، والتبليغ المواطن حق، والاستجابة السريعة والمنسقة واجب لا يحتمل الانتظار.
فسياسة الوقاية والاستباقية ليست ترفا بل ضرورة استراتيجية، لأن فاتورة التماطل هنا لن تدفع غدا بالأرقام فقط، بل بانهيار حلقة حيوية كاملة يقف النحل في قلبها، فهو الحارس الصامت لتوازننا البيئي وأمننا الغذائي معا. فكل يوم تأخير في التدخل هو رهن لمستقبل مجالنا الطبيعي وصحة الإنسان بثمن باهظ قد لا نقوى على تحمّله غدا.


