تجريم البث المقرصن قبل مونديال 2030…..من يحمي حق المستهلك ؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
لا للقرصنة… لكن هل يصبح الوصول إلى المحتوى القانوني امتيازا لمن يملك القدرة على الدفع؟
دخل القانون رقم 013.26 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 الخاص بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة مرحلة جديدة من التشدد في مواجهة القرصنة الرقمية، في وقت أصبحت فيه مباريات كرة القدم والفعاليات الرياضية الكبرى واحدة من أهم ساحات الصراع على حقوق البث.
والمبدأ في حد ذاته لا يحتاج إلى كثير من الجدل.
حقوق المؤلف وأصحاب البث يجب أن تحترم، والقرصنة التي تتحول إلى نشاط تجاري ومنظم لا يمكن تبريرها.
لكن هناك سؤالا آخر، أكثر إزعاجا، وربما أكثر أهمية بالنسبة للمواطن:
ماذا عن حق الجمهور في مشاهدة منتخب بلاده؟
المنتخب ليس مجرد منتج تجاري.
عندما يلعب المنتخب الوطني المغربي في نهائيات كأس إفريقيا أو كأس العالم، فإن الأمر يتجاوز مباراة رياضية عادية.
إنها لحظة وطنية يتابعها ملايين المغاربة، من المدن الكبرى إلى القرى والمناطق الجبلية، ومن الأسر الميسورة إلى الأسر التي بالكاد تستطيع تدبير مصاريفها اليومية.
وهنا تظهر خصوصية القنوات العمومية.
فالمواطن المغربي لا يتعامل مع التلفزيون العمومي باعتباره منصة تجارية عادية فقط. إنه يمول الدولة ويدفع الضرائب، ويساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تمويل المرفق العمومي، وبالتالي من حقه أن يسأل:
ما هي حدود الخدمة العمومية عندما يتعلق الأمر بحدث رياضي وطني بهذا الحجم؟
المواطن الذي لا يملك اشتراكا… ماذا يفعل؟
لنضع جانبا للحظة المواطن الذي يملك اشتراكا في منصة رياضية مدفوعة.
ماذا عن المواطن الذي لا يملك القدرة المالية؟
ماذا عن أسرة في قرية بعيدة لا تستطيع دفع اشتراك شهري لمتابعة البطولات؟
ماذا عن مواطن لا يملك تجهيزات استقبال البث الأرضي الرقمي؟
وماذا عن المناطق التي قد تكون فيها تغطية البث الأرضي محدودة أو غير مستقرة؟
هنا لا يمكن أن تكون الإجابة ببساطة:
“هناك بث قانوني، ابحث عنه.”
لأن السؤال ليس فقط: هل يوجد بث قانوني؟
السؤال هو:
هل يستطيع كل مواطن الوصول إليه فعلا؟
وهذا فرق جوهري بين الإتاحة القانونية والإتاحة الواقعية.
لا يمكن أن نحارب القرصنة بالشعار وحده.
القانون الجديد جاء في سياق تسعى فيه الدولة إلى تحديث منظومة حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة ومواجهة القرصنة الرقمية، بما فيها القرصنة المرتبطة بالبث المباشر للمباريات والتظاهرات الرياضية.
وهذا اتجاه مفهوم.
لكن مكافحة القرصنة لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي عند العقوبة.
إذا أغلقت الدولة أبواب البث غير القانوني، فعليها في المقابل أن تضمن وجود باب قانوني مفتوح وقابل للوصول.
وإلا سنكون أمام معادلة غريبة:
ممنوع أن تشاهد بطريقة غير قانونية، لكن الطريقة القانونية قد تكون خارج قدرة جزء من المجتمع.
فماذا يفعل المواطن؟
هل يعقل أن يطلب من مواطن محدود الدخل أن يصبح خبيرا في الأقمار الصناعية والبث الأرضي والمنصات الرقمية، فقط حتى يتمكن من مشاهدة منتخب بلاده؟
المغرب العميق لا ينبغي أن يكون خارج الصورة.
عن القرى والمناطق الجبلية والنائيةنتحدث.
عن المواطن الذي قد لا يملك اشتراكا رياضيا ولا إنترنت سريعا ولا تجهيزا رقميا حديثا.
هذا المواطن ليس أقل مغربية من المواطن الذي يعيش في الدار البيضاء، الرباط ،الحسيمة أو طنجة .
وإذا كانت المباراة حدثا وطنيا، فلا ينبغي أن يتحول موقع المواطن الجغرافي أو مستوى دخله إلى عامل يحدد قدرته على مشاهدة منتخب بلاده.
الخدمة العمومية تقاس أيضا بمن تصل إليه، وليس فقط بما تعرضه.
وماذا عن أموال دافعي الضرائب؟
هنا السؤال الأكثر حساسية.
لا نقول إن أموال دافعي الضرائب تمنح الدولة حق سرقة حقوق البث من أصحابها.
هذا سيكون منطقا عبثيا.
لكن عندما تستثمر الدولة في إعلام عمومي، وتمول مؤسسات عمومية، وتطلب من المواطن احترام القانون ودفع الضرائب، فإن من المشروع أن يسأل المواطن عن وظيفة الإعلام العمومي في اللحظات الوطنية الكبرى.
هل دوره أن ينافس القنوات التجارية على السوق فقط؟
أم أن له وظيفة اجتماعية أيضا؟
إذا كان الجواب هو الثاني، فإن بث مباريات المنتخب الوطني في البطولات الكبرى يجب أن يكون جزءا من النقاش حول الخدمة العمومية، لا مجرد صفقة تجارية تحسمها القدرة على شراء حقوق البث.
لا نريد إلغاء حقوق أصحاب البث
المطالبة ببث وطني مفتوح لا تعني مصادرة حقوق أصحاب المحتوى.
ولا تعني أن الدولة مطالبة بشراء كل البطولات وكل المباريات.
بل يمكن التفكير في نموذج واضح:
المنتخب الوطني، والأحداث الرياضية الوطنية الكبرى، وبعض المباريات ذات الأهمية الجماهيرية، ينبغي أن تكون لها آلية تضمن وصولها إلى أوسع شريحة ممكنة من المواطنين.
وقد أظهرت تجربة كأس العالم 2026 أن SNRT استطاعت، بعد اتفاق مع مالك الحقوق في المنطقة، الحصول على حقوق بث مباريات المنتخب الوطني، بما أتاح للجمهور المغربي متابعتها عبر القنوات الوطنية.
وهذا يؤكد أن المسألة ليست مستحيلة.
بل هي في النهاية اختيار في السياسة العمومية والتفاوض على الحقوق.
المعادلة التي يجب أن تتغير
نحن أمام ثلاثة حقوق ينبغي ألا يوضع أحدها في مواجهة الآخر:
حق صاحب المحتوى في الحصول على عائداته.
حق الدولة في مكافحة القرصنة وحماية القانون.
وحق المواطن في الوصول إلى الأحداث الوطنية الكبرى.
الخطأ هو أن نتصور أن حماية الحق الأول تقتضي التضحية بالثالث.
ليس الأمر كذلك.
يمكن حماية حقوق البث، وفي الوقت نفسه التفاوض على حقوق بث مجانية أو شبه مجانية للمباريات الوطنية الكبرى.
ويمكن تشديد العقوبات على الشبكات التي تتاجر بالقرصنة، وفي الوقت نفسه توفير بديل قانوني متاح للمواطن محدود الدخل.
ويمكن تطوير البث الأرضي، وتوسيع تغطيته، وتسهيل أجهزة الاستقبال، حتى لا تتحول كلمة “مجاني” إلى حق موجود على الورق فقط.
السؤال الذي يجب أن يرافق القانون 013.26
حماية الحقوق… وماذا عن حق الوصول؟
لا خلاف على أهمية تحديث التشريع ومحاربة القرصنة، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب سؤالا أساسيا:
ماذا سنقدم للمواطن في المقابل؟
كيف سنمنع المواطن من مشاهدة البث غير القانوني؟
بل يجب أن نسأل أيضا:
ماذا سنقدم له في المقابل؟
فالمواطن الذي لا يملك القدرة المالية لا يحتاج إلى درس في حقوق الملكية الفكرية.
إنه يحتاج إلى جواب عملي.
والمواطن في المغرب العميق لا يحتاج إلى أن يسمع أن المباراة متاحة “مجاناً” إذا كانت الوسيلة التي تنقلها لا تصل إلى منزله.
حماية الحقوق تبدأ أيضا بحماية حق الوصول.
المعركة ضد القرصنة ضرورية.
لكنها لن تكون عادلة إذا تحولت إلى معركة ضد المستهلك.
فالقرصان الذي يبيع آلاف الاشتراكات غير القانونية ليس هو المواطن الذي يبحث عن مباراة منتخب بلاده.
والشبكة التي تحقق أرباحا من سرقة حقوق البث ليست هي الأسرة التي لا تستطيع دفع عدة اشتراكات رياضية.
والدولة التي تريد تطبيق القانون عليها أن تكون حاضرة أيضا في توفير البديل المشروع.
لسنا مع القرصنة، ولسنا ضد حقوق أصحاب البث.
لكننا نسأل عن المواطن.
عن الطفل في القرية الذي يريد مشاهدة أسود الأطلس.
عن الأسرة التي لا تستطيع دفع اشتراك رياضي.
عن المواطن الذي يدفع الضرائب ولا يفهم لماذا تصبح مباراة منتخب بلاده أحيانا سلعة لا يستطيع الوصول إليها.
فإذا كان القانون الجديد يقول:
لا للقرصنة.
فإن السياسة العمومية مطالبة بأن تضيف:
ونعم لحق المواطن في الوصول.
لأن حماية الحقوق لا ينبغي أن تنتهي عند حماية صاحب الحق.
بل يجب أن تشمل أيضا حماية حق المواطن في أن يكون جزءا من اللحظة الوطنية.



