بين غلاء العلاج واللجوء إلى صناع الأسنان… حماية المواطن تبدأ بتسهيل الولوج إلى طبيب الأسنان وتنظيم القطاع.
تتجدد في عدد من المدن المغربية، ومنها طنجة، شكايات مواطنين يقولون إن لجوءهم إلى بعض صناع الأسنان بدل أطباء الأسنان انتهى إلى آلام ومضاعفات ومعاناة صحية.
هذه الشكايات لا تعني اتهام مهنة بكاملها، فهناك فرق واضح بين الاختصاصين: طبيب الأسنان يشخص ويعالج ويتدخل طبيا، بينما صانع الأسنان يمارس دورا تقنيا ومخبريا في صناعة وتركيب التعويضات السنية ضمن حدود مهنته.
المشكلة تبدأ عندما تتجاوز بعض الممارسات هذا الحد، فيتحول البحث عن خدمة أقل كلفة إلى مخاطرة صحية قد تكون عواقبها أكبر من المشكلة الأصلية.
لماذا يهرب المواطن من الطبيب؟
الجواب ليس دائما ضعف الوعي.
فارتفاع كلفة علاجات الأسنان، وعبء الفواتير، وضعف القدرة على تحمل المصاريف بالنسبة إلى بعض الأسر، كلها عوامل قد تدفع المواطن إلى البحث عن بديل أرخص.
وهنا تظهر المفارقة: المواطن يبحث عن توفير مالي، لكنه قد ينتهي إلى دفع فاتورة صحية ومادية أكبر إذا نتجت عن التدخل مضاعفات تحتاج إلى علاج إضافي.
والأخطر أن تأجيل علاج الأسنان قد يحول مشكلة بسيطة إلى مشكلة أكثر تعقيدا وكلفة.
مفارقة مغربية تستحق التوقف
المغرب يستقطب مرضى أجانب للعلاج، ومن بينهم مرضى من أوروبا، مستفيدين من الكفاءات وفارق الأسعار، بينما يتجه مغاربة إلى دول مثل تركيا بحثا عن علاجات الأسنان.
وفي الوقت نفسه، يعود مغاربة العالم خلال العطل إلى المغرب للاستفادة من خدمات طب الاسنان.
ومع ذلك، يختار بعض المواطنين داخل المغرب، بمن فيهم مغاربة العالم و موظفون وأطر وطلبة وأفراد من الطبقة المتوسطة، صانع الأسنان بدل الطبيب.
إذن، المسألة ليست غياب الوعي فقط.
إنها أيضا الكلفة، وسهولة الولوج، والثقة، والعادة، والتغطية الصحية.
الأسنان ليست ترفا
المشكلة أن طب الأسنان ما زال ينظر إليه أحيانا باعتباره خدمة يمكن تأجيلها، بينما صحة الفم والأسنان جزء من الصحة العامة.
وعندما يصبح العلاج الخاص خارج قدرة المواطن، فإن المنظومة الصحية نفسها قد تدفع الثمن لاحقا من خلال علاج مضاعفات كان يمكن تفاديها بالوقاية والتدخل المبكر.
لذلك فإن قضية صناع الأسنان ينبغي أن تكون مدخلا إلى سؤال أكبر:
هل حان الوقت لإعادة النظر في منظومة طب الأسنان بالمغرب؟
الحل ليس في إغلاق المحلات فقط.
محاربة الممارسة غير القانونية ضرورية، لكن إغلاق المحلات المخالفة وحده لا يعالج أصل المشكلة.
المطلوب هو تسهيل الولوج إلى طب الأسنان العمومي، وتحسين التغطية الصحية، ومراجعة كلفة العلاج وآليات التعويض، وضمان شفافية أكبر في الفواتير، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطرا للاختيار بين علاج لا يستطيع تحمل كلفته وممارسة خارج المسار الطبي.
وفي المقابل، يجب تنظيم مهنة صناع الأسنان بشكل واضح، وحماية حدود اختصاصها، وحماية المهنيين الملتزمين من الدخلاء، مع تشديد الرقابة على كل من يتجاوز اختصاصه.
رابح ـ رابح
المعادلة الممكنة ليست في مواجهة الطبيب مع الصانع.
الطبيب يربح عندما تكون المنافسة مهنية وعادلة.
صانع الأسنان يربح عندما تكون مهنته منظمة ومحمية من الدخلاء.
الدولة تربح عندما تقل المضاعفات وتتحسن الوقاية.
والمواطن يربح عندما يجد أمامه خيارات حقيقية: قطاعا عموميا متاحا، وقطاعا خاصا منظما، وتغطية صحية تساعده على العلاج.
عندها يصبح للمواطن حق الاختيار فعلا، لا اختيارا تفرضه قدرته المالية.
ملف صناع الأسنان ليس مجرد قضية محلات وشكايات.
إنه جرس إنذار لإعادة النظر في منظومة طب الأسنان بالمغرب.
فإذا كان المواطن يهرب من الطبيب بسبب الكلفة، فلا يكفي أن نقول له «لا تذهب إلى صانع الأسنان».
بل يجب أن نسأل:
كيف نجعل الطبيب في متناول المواطن؟
كيف نوسع طب الأسنان العمومي؟
كيف نحسن التغطية الصحية؟
كيف نضمن شفافية الفواتير؟
وكيف ننظم مهنة صناع الأسنان ونحمي حدود اختصاصها؟
فالأسنان ليست ترفا، وصحة الفم جزء من الصحة العامة، والمواطن له الحق في العلاج والحق في الاختيار.
لكن الاختيار الحقيقي يبدأ عندما تكون أمامه خيارات آمنة ومتاحة، لا عندما تدفعه الفاتورة إلى المخاطرة.
المطلوب ليس الانتصار لطبيب الأسنان أو لصانع الأسنان، بل بناء منظومة رابح ـ رابح، يكون فيها المواطن أول الرابحين.
الصالح العام بوصلتنا.



