قانون المحاماة… قضي الأمر، فماذا عن استقلال العدالة؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من الجريدة الرسمية إلى قاعات المحاكم: هل يطوي القانون صفحة الأزمة أم يفتح فصلا جديدا في معركة استقلال المهنة وحقوق المواطن؟
صدور القانون رقم 66.23 يحسم المسار التشريعي، لكنه لا يحسم الأسئلة الحقوقية التي رافقت ولادته: ماذا عن الحوار والتوافق؟ وماذا عن استقلال المحاماة وهيئاتها؟ والأهم، أي منظومة عدالة نريد للمواطن؟
في اليوم الذي يخلد فيه المغرب ذكرى ثورة الملك والشعب، نشر القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، ليضع حدا لمسار تشريعي طويل طبعته أزمة غير مسبوقة بين الحكومة والجسم المهني للمحاماة، بلغت في إحدى مراحلها حد التوقف الشامل عن العمل.
قضي الأمر.
نشر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، وأصبح بذلك واقعا قانونيا جديدا. وبالنشر، انتهت مرحلة التشريع، لكن من الصعب اعتبار أن كل الأسئلة التي أثارها هذا المسار قد انتهت بدورها.
فهناك فرق بين حسم النص وحسم الإشكال.
الأول يتحقق بنشر القانون ودخوله حيز التنفيذ.
أما الثاني، فيحتاج إلى معرفة ما إذا كان الإطار الجديد قادرا على تحقيق الغاية الأهم: تنظيم مهنة المحاماة مع صون استقلالها، وتعزيز حق الدفاع، وخدمة حسن سير العدالة وحماية حقوق المتقاضين.
هل خسر المحامون معركتهم؟
قد يبدو السؤال بسيطا.
فالقانون صدر رغم الاعتراضات التي رافقت مساره، وبالتالي فإن من جعل هدفه الأساسي منع صدوره بصيغته الحالية لم يحقق ذلك الهدف.
لكن اختزال المسألة في مفهوم “الهزيمة” قد يكون مضللا.
فالمعركة المهنية لا تنتهي بالضرورة عند لحظة نشر القانون. بعض المطالب قد تنتقل إلى مرحلة التطبيق، وبعض المقتضيات قد تكشف الممارسة عن الحاجة إلى مراجعتها، وبعض الإشكالات قد تجد طريقها إلى الحوار المؤسساتي من جديد.
القانون، مهما كانت قوته، ليس نصا معزولا عن الواقع.
والمؤسسات الديمقراطية لا تتعامل مع القوانين باعتبارها نصوصا مقدسة لا تقبل التقييم، وإنما باعتبارها أدوات قابلة للاختبار والتطوير عندما يكشف التطبيق عن اختلالات أو حاجات جديدة.
بين الشرعية القانونية والشرعية الحوارية:
هنا تبرز مسألة أكثر عمقا.
لا يكفي أن يكون القانون مستوفيا لمساره التشريعي حتى تنتهي كل الأسئلة المتعلقة به.
هناك أيضا سؤال كيف تدار الخلافات حول القوانين التي تمس مؤسسات حساسة في منظومة الحقوق والحريات؟
الشرعية القانونية تقتضي احترام الدستور والقانون والمساطر.
لكن الديمقراطية المؤسساتية تحتاج، إلى جانب ذلك، إلى الحوار والإنصات والتفاوض والبحث عن نقاط الالتقاء.
ليس المطلوب أن توافق الحكومة على كل مطالب المحامين.
كما ليس مطلوبا من الهيئات المهنية أن تقبل كل ما تقترحه الحكومة.
فالاختلاف طبيعي في الدولة الديمقراطية.
لكن القيمة الحقيقية للحوار تظهر عندما يكون قادرا على تحويل الاختلاف إلى توافق ممكن، أو على الأقل إلى خلاف مؤسساتي واضح، يعرف فيه كل طرف لماذا قبل مطلب ولماذا رفض آخر.
المحكمة الدستورية… ومسألة الثقة:
أضاف مسار الإحالة إلى المحكمة الدستورية بعدا آخر إلى هذا النقاش.
فالمحكمة الدستورية، في قرارها رقم 277/26 الصادر في 10 غشت 2026، صرحت بتعذر البت في الإحالة على حالها، بعدما سجلت أن رسالة الإحالة لم تتضمن نسخة من النص كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.
وهذه الواقعة ينبغي التعامل معها بمنتهى الدقة.
فلا يجوز تحويلها تلقائيا إلى اتهام بالتلاعب، ما لم توجد أدلة تثبت ذلك.
لكن من المشروع، في المقابل، طرح سؤال حقوقي ومؤسساتي:
هل كانت طريقة تدبير هذا المسار كافية لبناء الثقة لدى الفاعلين المعنيين والرأي العام؟
فالعدالة الدستورية لا تتعلق فقط بالنتيجة، وإنما أيضا بثقة المجتمع في سلامة المساطر والمؤسسات التي تحرس الدستور.
قد يبدو استقلال مهنة المحاماة قضية مهنية تخص المحامين.
لكنها في جوهرها قضية حقوقية تخص المواطن.
فحق الدفاع ليس امتيازا للمحامي، والمحامي ليس مجرد مقدم خدمة قانونية بالمعنى التجاري للكلمة.
المحاماة تؤدي وظيفة مرتبطة مباشرة بالوصول إلى العدالة وحماية الحقوق والحريات.
ولهذا فإن وجود هيئة محامين قوية ومستقلة وديمقراطية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مكسبا لفئة مهنية فقط.
إنه جزء من البيئة التي يحتاج إليها المواطن حتى يكون حقه في الدفاع فعليا، لا مجرد حق مكتوب في النصوص.
المواطن لا يحتاج إلى محاماة تكون في مواجهة الدولة.
كما لا يحتاج إلى محاماة تكون في تبعية للدولة.
إنه يحتاج إلى محاماة تعمل داخل القانون، لكنها تتمتع بالاستقلال اللازم لممارسة وظيفتها الحقوقية والمهنية.
هنا السؤال الذي ينبغي ألا نخاف من طرحه:
من يستفيد عندما تنتهي محطات الحوار والاحتجاج والتفاوض إلى بقاء مطالب جهة من الجهات معلقة؟
ليس المقصود أن كل مطلب مهني يجب أن يتحول إلى قانون.
فالدولة لا يمكن أن تدار بمنطق الاستجابة لكل ضغط.
لكن في المقابل، فإن بناء دولة الحق والقانون لا يمكن أن يقوم على دفن المطالب المشروعة بمجرد صدور النص.
هناك فرق بين رفض مطلب وإلغاء إمكانية مراجعة المطلب.
وبين حسم خلاف في مرحلة معينة وإغلاق باب الحوار حول آثاره المستقبلية.
الدولة القوية لا تخشى الحوار.
والمؤسسات القوية لا تعتبر المراجعة اعترافا بالفشل.
بل إن القدرة على تصحيح المسار عندما يكشف التطبيق عن اختلال هي إحدى علامات قوة المؤسسات.
دولة القانون لا تبنى بتعليق الحقوق.
إن بناء دولة الحق والقانون مشروع تراكمي.
لا يبدأ مع حكومة وينتهي مع حكومة.
ولا يتوقف عند قانون واحد أو مؤسسة واحدة.
إنه تراكم للحقوق والحريات، وتراكم لاستقلال المؤسسات، وتراكم للضمانات، وتراكم للثقة.
ولهذا فإن أي مطلب يرتبط بتعزيز استقلال المؤسسات أو ضمان الحقوق لا ينبغي أن يصبح رهينة للحظة سياسية عابرة.
قد يرفض اليوم.
قد يعاد النظر فيه غدا.
وقد يتغير القانون بعد سنوات.
لكن المهم ألا يتحول الرفض المؤقت إلى تعليق دائم لمسار التطور المؤسساتي.
فالحقوق لا تبنى دفعة واحدة.
وبعد صدور القانون، يبقى الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه اللحظة من نهاية لمسار تشريعي مثير للجدل إلى بداية لمرحلة جديدة، يكون فيها التطبيق مناسبة لتقييم النص، وتصحيح ما قد يكشف الواقع عن اختلاله، وتعزيز استقلال المحاماة وهيئاتها، وترسيخ حق الدفاع وثقة المواطن في العدالة.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
القانون صدر.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ مع التطبيق.
هل ستصبح المهنة أكثر تنظيما من دون أن تفقد استقلالها؟
هل ستكون الهيئات المهنية قادرة على ممارسة أدوارها باستقلال وديمقراطية؟
هل سيجد المحامي مساحة كافية لممارسة وظيفته في الدفاع عن الحقوق والحريات؟
هل سيشعر المواطن أن حقه في الدفاع أصبح أكثر حماية؟
وهل ستفتح الممارسة العملية الباب أمام مراجعة المقتضيات التي قد تكشف التجربة عن عدم ملاءمتها؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الجريدة الرسمية.
الواقع هو الذي سيجيب عنها.
من معركة القانون إلى مستقبل العدالة.
ربما يكون من السهل الآن أن يبحث كل طرف عن إعلان انتصاره.
الحكومة تستطيع القول إن القانون أصبح نافذا.
والمحامون يستطيعون القول إن معركة الاستقلال لم تنته بمجرد نشر النص.
لكن اختزال المسألة في من انتصر ومن خسر يحرم المجتمع من السؤال الأهم.
أي منظومة عدالة نريد؟
نريد قضاءا مستقلا.
ونريد محاماة مستقلة.
ونريد هيئات مهنية قوية وديمقراطية.
ونريد مؤسسات دستورية تقوم بأدوارها باستقلال.
ونريد دولة تستطيع أن تحسم الخلافات، لكنها لا تخشى العودة إلى الحوار عندما يكشف الواقع أن هناك ما يحتاج إلى مراجعة.
فالقوة الحقيقية للدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين.
بل أيضا بقدرتها على الإنصات، والحوار، والتصحيح، وتراكم الحقوق.
السؤال الذي يبقى مفتوحا
نشر قانون المحاماة في الجريدة الرسمية أنهى مرحلة؟.
لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية التفكير في مستقبل المهنة.
فالمحاماة ليست شأنا مهنيا صرفا.
واستقلال هيئاتها ليس امتيازا تنظيميا.
والحق في الدفاع ليس تفصيلا إجرائيا.
كلها عناصر متداخلة في سؤال أكبر يتعلق بجودة العدالة وثقة المواطن في مؤسساتها.
ولهذا، فإن السؤال بعد صدور القانون رقم 66.23 ليس فقط:
هل خسر المحامون معركتهم؟
بل السؤال الأهم:
هل ستخرج منظومة العدالة من هذه الأزمة أكثر استقلالا وقوة وديمقراطية، أم أن القانون أغلق صفحة التشريع قبل أن تفتح فعليا صفحة التوافق والإصلاح والتراكم الحقوقي؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
وذلك هو السؤال الذي يهم المواطن قبل غيره.



