تقرير أوروبي يكشف مفارقة مدينة تنمو بسرعة، بينما يجد جزء من شبابها صعوبة في تحمل كلفة السكن.
طنجة تنمو اقتصاديا بسرعة، لكن يبدو أن السكن لا ينمو بالسرعة نفسها داخل ميزانية شبابها.
تقرير أوروبي حديث شمل 600 شاب وشابة في طنجة والدار البيضاء ومراكش كشف أن 52 في المائة فقط من أفراد العينة في طنجة قالوا إنهم قادرون على تحمل تكاليف السكن، بينما بالكاد يستطيع 30 في المائة تغطيتها، ويواجه 15 في المائة صعوبة في ذلك.
أما في سوق الشغل، فقال 54 في المائة من المستجوبين في طنجة إنهم يعملون بشكل مستمر، و10 في المائة بشكل متقطع.
لكن الرقم المتعلق بعدم العمل، 12 في المائة، لا ينبغي اعتباره معدل البطالة الرسمي، لأن الدراسة اعتمدت عينة تضم طلبة وربات بيوت وفئات أخرى، ولم تعتمد منهجية المندوبية السامية للتخطيط.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائما:
كيف يمكن لمدينة أصبحت قطبا صناعيا ولوجستيا كبيراً أن تجد نسبة مهمة من شبابها صعوبة في تحمل كلفة السكن؟
الدعم موجود… فأين تكمن المشكلة؟
المغرب لا يقف مكتوف اليدين أمام أزمة السكن.
هناك دعم مباشر يمكن أن يصل إلى 100 ألف درهم بالنسبة لبعض المساكن التي لا يتجاوز ثمنها 300 ألف درهم، و70 ألف درهم لفئة أخرى وفق شروط البرنامج.
لكن الدعم وحده لا يصنع القدرة على الشراء.
فالشاب يحتاج أيضا إلى عمل مستقر، وأجر يسمح له بالادخار، وسعر عقار يتناسب مع دخله، وتمويل بنكي قابل للتحمل، وعرض عقاري يستجيب فعلا لحاجته.
وهنا تبدأ المفارقة.
الدولة تساعد الشاب على شراء السكن، لكن هل تسمح له ظروفه الاقتصادية بأن يصبح قادرا على الشراء؟
المشكلة ليست في الشقة وحدها
الشاب الذي يتقاضى أجرا محدودا يبد الشهر بالكراء أو مساهمة الأسرة في السكن، ثم الطعام، والنقل، والماء والكهرباء، والهاتف والإنترنت وغيرها من المصاريف.
وفي نهاية الشهر، قد لا يبقى ما يكفي للادخار.
وبدون ادخار، يصبح توفير المبلغ الأولي ومصاريف الشراء تحديا حقيقيا.
وتزداد المشكلة مع تراكم إكراهات أخرى، من “النوار” والممارسات غير الشفافة، إلى ارتفاع كلفة القروض والفوائد البنكية، وتعقيد المساطر والبيروقراطية، ومصاريف التسجيل والتحفيظ العقاري. وهي تكاليف قد تجعل الدعم الحكومي، رغم أهميته، غير كاف وحده لتحويل رغبة الشاب في امتلاك السكن إلى قدرة فعلية على شرائه.
فهنا لا نتحدث فقط عن مخالفة قانونية أو ضريبية، بل عن ممارسة يمكن أن تضرب قدرة الشاب على الاستفادة الفعلية من التمويل والدعم.
طنجة ليست وحدها
شباب مدريد و باريس وبرلين ونيويورك يعيشون بدورهم أزمات سكن، وكثير منهم يلجأ في بداية حياته إلى السكن المشترك وتقاسم الكراء والمصاريف.
لكن المقارنة لا يجب أن تتحول إلى تبرير.
كون أزمة السكن موجودة في مدن عالمية لا يعني أن علينا قبولها كأمر طبيعي في طنجة.
السؤال هو: هل يستطيع الشاب، مع مرور الوقت وتحسن دخله، أن ينتقل من السكن المشترك أو العائلي إلى سكن مستقل، ثم إلى امتلاك مسكن إذا أراد؟
وهنا نصل إلى جوهر القضية: الأمن المالي.
لماذا لا نفكر في الكراء المفضي إلى التملك؟
المغرب يتوفر أصلا على إطار قانوني للإيجار المفضي إلى تملك العقار.
الفكرة تستحق إعادة النقاش: بدل مطالبة شاب محدود الدخل بتوفير مبلغ أولي كبير، يمكن أن يبدأ بالسكن عبر نظام كراء منظم، مع تحويل جزء من الأداءات، وفق شروط واضحة، إلى مسار يؤدي في النهاية إلى التملك.
هذا لا يلغي الدعم المباشر، بل يمكن أن يكون مكملا له.
والهدف ليس أن تمنح الدولة الشاب المال فقط، وإنما أن تساعده على تحويل دخله المحدود إلى قدرة تدريجية على التملك.
التقرير الأوروبي لا يقول إن طنجة فشلت، ولا يقول إن الدولة لا تدعم السكن.
لكنه يكشف فجوة تستحق النقاش:
مدينة تنمو اقتصاديا بسرعة، وشباب لا يستطيع جزء منهم مواكبة هذا النمو في السكن والدخل والاستقرار.
لذلك ربما لم يعد السؤال:
كم منحت الدولة من دعم للسكن؟
بل السؤال الأهم:
كم شابا أصبح فعلا قادرا على بناء حياة مستقرة بفضل هذا الدعم؟
لأن السكن ليس مجرد أربعة جدران.
السكن هو بداية الاستقرار، والاستقرار يحتاج إلى أجر، والعمل يحتاج إلى أمان، والأمان يحتاج إلى منظومة تجعل الشاب قادرا على الادخار والتخطيط للمستقبل.
طنجة تبني اقتصادا عالميا.
والتحدي الحقيقي الآن هو أن تجعل هذا الاقتصاد قابلا للعيش أيضا بالنسبة إلى شبابها.
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
آخر الأخبار
- شباب طنجة والسكن… حين لا يكفي الدعم وحده
- مئة يوم من إضراب المحامين… متى تصبح المعركة أكبر من أصحابها؟
- منتدى حوار في بيت الصحافة يناقش الهجرة والهوية والجذور الثقافية بمناسبة اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج
- طنجة الكبرى في الصيف.. حين ينجح الأمن في امتحان المدينة
- مطاعم الرميلات بطنجة.. حماية المستهلك أولا ولا تسامح مع العشوائية
- طنجة الكبرى… حين يصبح العشب الأخضر للفرجة فقط!
- زيتوننا تحت المجهر الأوروبي… فمن يضع غذاء المغاربة تحت المجهر؟
- «أرما».. هل تحولت شركة النظافة في طنجة إلى شركة فوق المحاسبة؟
- حين تصمت قاعات الأفراح… ماذا تغير في المجتمع المغربي؟
- رفع السقف

جريدة إلكترونية وطنية مقرها بطنجة، نهتم بالحياد والدقة في نقل الخبر.
العنوان: 29، شارع عمرو بن العاص رقم 13 الطابق 2 – طنجة
الهاتف: 0539933592
البريد للتواصل: 365yawm.ma@gmail.com

هيئة التحرير
مدير النشر : أنس الحداوي العلمي
رئيس التحرير : عبد الله الغول
