ضربة لإسبانيا… أم صفعة للدبلوماسية الموازية المغربية؟
الحداد حسن المنزلي
شاب مغربي استحضر التاريخ في دقائق فاحتفى به الجميع… لكن لماذا أصبح ما فعله استثناءا بدل أن يكون نتيجة طبيعية لحضور مغربي منظم في الخارج؟
أثار تصريح شاب مغربي، باللغة الإسبانية، حول قضية سبتة تفاعلا واسعا في المغرب، واعتبرته مواقع ومنصات إعلامية “ضربة قوية” للإعلام الإسباني، بعدما واجه السردية الإسبانية حول تاريخ المدينة ومغربيتها.
لكن بعيدا عن الحماس، هناك سؤال أكثر أهمية:
كيف أصبح قول حقائق تاريخية يعرفها المغاربة منذ المدرسة حدثا استثنائيا يستحق الاحتفاء، بدل أن يكون جزءا طبيعيا من عمل مدني وثقافي وسياسي وحقوقي ونقابي منظم لمغاربة العالم؟
فالشاب لم يخترع التاريخ. المغرب يمتلك تاريخا راسخا في شمال إفريقيا والأندلس، وسبتة نفسها سقطت في يد البرتغاليين سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني سنة 1668. ولم يتعامل المغرب مع سقوطها باعتباره نهاية القضية، فقد حاصرها السلطان المولى إسماعيل ابتداءا من سنة 1694 في محاولة لاسترجاعها.
لم تكن سبتة مجرد مدينة ساحلية، بل كانت عبر مراحل من تاريخ المغرب والأندلس بوابة استراتيجية لعبور الجيوش المغربية نحو الأندلس وإسنادها، وارتبط موقعها بمحطات مفصلية من تاريخ المرابطين والموحدين والدفاع عن الأندلس.
فمن المرابطين ومعركة الزلاقة، إلى الموحدين وصومعة الخيرالدا بإشبيليةو صومعة حسان بالرباط و الكتبية بمراكش، مرورا بالمرينيين ومحاولاتهم استرجاع سبتة، ثم مرحلة الوطاسيين، وصولا إلى السعديين ومعركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة، يمتد تاريخ مغربي حافل بالحضور السياسي والعسكري والحضاري في الضفتين.
وتبقى سبتة أيضا مدينة علم وفقه وقضاء، أنجبت أعلاما مثل القاضي عياض السبتي، فيما ارتبط اسم المرأة الحرة بتاريخ المقاومة في شمال المغرب ومواجهة التوسع الإيبيري، بما يجعل المنطقة تختزن ذاكرة تاريخية وحضارية غنية يمكن تقديمها للعالم بالوثيقة والمعرفة، لا بالشعارات وحدها.
ولم يكن المغرب حاضرا في التاريخ العسكري والحضاري فقط، بل كان فاعلا في العلاقات الدولية منذ قرون، ففي سنة 1213، وفي عهد السلطان الموحدي محمد الناصر، شهدت مراكش اتصالا دبلوماسيا موثقا مع إنجلترا، في مرحلة كانت فيها أوروبا تعيش تحولات سياسية عميقة، وقبل تشكل إسبانيا كدولة موحدة بمفهومها التقليدي و الحديث. وهي محطة تختصر عمق الحضور المغربي في التاريخ الدبلوماسي الأوروبي.
إذا كان شاب مغربي واحد يستطيع، في دقائق، أن يدخل في نقاش تاريخي مع إعلام إسباني، ويتحدث بلغة الجمهور، ويستحضر حججا تاريخية بثقة، فلماذا لا يكون لدينا عشرات ومئات من الشباب القادرين على ذلك؟
أين هي الدبلوماسية الموازية الحقيقية لمغاربة العالم؟
ليس المقصود دبلوماسية السفريات واللقاءات والصور والامتيازات، وإنما دبلوماسية المعرفة والتأثير والحجة.
وهنا يأتي الدور الأساسي والمحوري للهيئات والمؤسسات الرسمية المعنية بمغاربة العالم: ليس فقط في تدبير العلاقة مع الجالية، وإنما أيضا في دعم التعريف بتاريخ المملكة المغربية وعمقها الحضاري، وتشجيع البحث والترجمة وإنتاج المحتوى الموجه إلى لغات المجتمعات التي يعيش فيها المغاربة.
المسؤولية لا تتوقف عند المؤسسات الرسمية
فالجمعيات، والنقابات الطلابية، والحركات الشبابية، والفعاليات السياسية والحقوقية والنقابية، والباحثون والإعلاميون المغاربة في الخارج، يملكون بدورهم فضاءات واسعة للنقاش والتأثير، من الجامعات إلى المنتديات الدولية والحقوقية والشبابية.
الحركة الطلابية، إنها مدرسة للنقاش والمناظرة والتنظيم وبناء الشبكات، ويمكن أن تكون رافدا حقيقيا للدبلوماسية المدنية المغربية.
والأمر نفسه ينطبق على مشاركة الفعاليات المغربية في المنتدى الاجتماعي العالمي، والمنتديات الدولية لحقوق الإنسان، واللقاءات الشبابية الدولية.
لكن المشاركة وحدها لا تكفي.
السؤال ليس: أين شاركنا؟ بل: ماذا قدمنا؟ ماذا شرحنا؟ عن أي قضايا رافعنا؟ وما الذي تغير بعد مشاركتنا؟
هنا تحديدا يقاس نجاح الدبلوماسية الموازية.
المغرب لا يفتقر إلى التاريخ ولا إلى الكفاءات
المشكلة ليست في غياب المادة التاريخية، ولا في غياب الكفاءات المغربية بالخارج.
لدينا تاريخ يمكن تقديمه للعالم، ولدينا شباب وباحثون وحقوقيون وطلاب وإعلاميون يتحدثون لغات المجتمعات التي يعيشون فيها.
المطلوب هو تحويل هذه الإمكانات إلى حضور معرفي منظم ومستمر.
أن يكون هناك طالب مغربي داخل جامعة أوروبية قادرا على النقاش، وباحث مغربي يقدم الوثيقة داخل فضاء أكاديمي، وحقوقي يشارك في نقاش دولي، وإعلامي يستطيع تفكيك رواية مغلوطة بالحجة واللغة والمعرفة.
هكذا تتحول الدبلوماسية الموازية إلى قوة ناعمة حقيقية.
لذلك، ربما علينا أن نعيد قراءة ذلك التصريح.
نعم، كان تصريحه قويا في مواجهة السردية الإسبانية، وكان من الطبيعي أن يحظى بإشادة واسعة في المغرب.
لكن المشهد يحمل في الوقت نفسه ضربة تنبيه قوية لنا نحن: للمؤسسات الرسمية المعنية بمغاربة العالم، وللدبلوماسية الموازية، وللحركة المدنية والسياسية والحقوقية والنقابية، وللحركة الطلابية.
ليس اتهاما بأن هذه المكونات لم تفعل شيئا، وإنما سؤال عن حجم ما يمكن أن تفعله قياسا بحجم التاريخ والكفاءات والإمكانات المتاحة.
فالمطلوب ليس انتظار شاب استثنائي يظهر صدفة على شاشة إسبانية كي يثبت لنا أن المغرب يملك ما يقوله.
المطلوب أن يصبح وجود مئات الشباب المغاربة القادرين على الحديث عن تاريخ بلدهم والدفاع عن قضاياه بالحجة واللغة والمعرفة أمرا عاديا.
فالمغرب لا يحتاج إلى “ضربة قاضية” كل مرة.
يحتاج إلى حضور دائم.
ولا يحتاج إلى دبلوماسية موازية تقاس بعدد السفريات واللقاءات والامتيازات.
يحتاج إلى دبلوماسية موازية تقاس بالمعرفة والتأثير والنتائج.
إذا كان حضور شاب مغربي واحد قد صنع كل هذا الأثر، فماذا يمكن أن تصنع دبلوماسية موازية منظمة ومستمرة.


