بين حماية حقوق البث وتشديد العقوبات… هل يجد المواطن محدود الدخل بديلا قانونيا لمتابعة المحتوى الذي يريد؟
دخل القانون رقم 013.26 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 الخاص بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة مرحلة جديدة في مواجهة القرصنة الرقمية، في سياق يعرف فيه العالم تحولا سريعا في طرق إنتاج المحتوى وبثه واستهلاكه.
والحرب على القرصنة ليست ترفا.
فوراء كل مباراة ووراء كل فيلم أو مسلسل أو إنتاج فني، حقوق مالية ومهنية واستثمارات ومبدعون وتقنيون وشركات تنتظر أن تحصل على مقابل مشروع لما تنتجه. ولذلك فإن حماية حقوق المؤلف وحقوق البث ليست فقط حماية للشركات، وإنما هي أيضا حماية لمنظومة الإبداع والإنتاج.
لكن المشكلة تبدأ عندما نختصر الحكاية كلها في معادلة بسيطة: قرصنة = مجرم، وبث قانوني = مستهلك محمي.
الحياة، للأسف، أكثر تعقيدا من ذلك.
من يحمي صاحب الحق؟ ومن يحمي المستهلك؟
القانون الجديد يهدف إلى تحديث الإطار القانوني لمواجهة التحولات الرقمية، ويوسع مفاهيم مرتبطة بالبث المباشر والنقل إلى الجمهور والقرصنة الرقمية، كما يعزز أدوات التدخل القضائي لمواجهة البث غير المشروع. وتؤكد الحكومة أن الهدف هو حماية حقوق المبدعين والمستثمرين ومواكبة التحول الرقمي، خصوصا مع الاستحقاقات الرياضية الكبرى التي تنتظر المغرب.
كل ذلك مفهوم ومشروع.
لكن السؤال الذي لا ينبغي أن يختفي خلف لغة محاربة القرصنة هو:
ماذا عن المستهلك؟
فليس كل من يلجأ إلى اشتراك غير قانوني هو بالضرورة تاجرا للقرصنة أو جزءا من شبكة منظمة.
هناك مواطن يبحث عن مباراة، أو أسرة تريد مشاهدة محتوى ترفيهي، أو شاب لا يستطيع تحمل تكلفة عدة اشتراكات ومنصات في الوقت نفسه.
وهنا يجب التمييز بين من يصنع القرصنة ويتاجر بها ويعيد توزيع المحتوى لتحقيق الربح، وبين المستهلك النهائي الذي يجد نفسه أمام سوق رقمية أصبحت فيها حقوق المشاهدة موزعة بين عدد كبير من المنصات والاشتراكات.
لا يجوز أن تختلط المستويات.
مكافحة القرصنة لا تعني معاقبة القدرة الشرائية
من حق صاحب المحتوى أن يحصل على ثمن عمله.
ومن حق صاحب حقوق البث أن يحمي استثماره.
ومن حق الدولة أن تواجه الشبكات التي تحقق أرباحا من سرقة هذه الحقوق.
لكن للمستهلك أيضا حقوقه.
ومن بينها أن يجد عرضا قانونيا واضحا، متاحا، وبأسعار تتناسب مع قدرته الشرائية.
لأن القضاء على العرض غير القانوني من دون التفكير في العرض القانوني قد يخلق مفارقة غريبة: الدولة تنجح في إغلاق الأبواب المقرصنة، لكن المواطن لا يجد بابا قانونيا يستطيع دفع ثمنه.
وهنا لا يعود السؤال: هل نحارب القرصنة؟
بل يصبح:
كيف نحارب القرصنة من دون أن نجعل الوصول إلى المحتوى المشروع امتيازا لمن يملك القدرة المالية؟
المواطن ليس عدوا لصاحب الحقوق
من الخطأ وضع المستهلك في الجهة المقابلة من المبدع.
المواطن الذي يشاهد مباراة ليس عدوا لكرة القدم، والأسرة التي تشاهد فيلما ليست خصما لصناعة السينما، والشاب و الطالب الذي يريد متابعة بطولة رياضية ليس خصما لصاحب حقوق البث.
المشكلة الحقيقية هي في منظومة تجعل المحتوى القانوني أحيانا موزعا بين منصات متعددة، باشتراكات متراكمة، بينما يأتي المحتوى المقرصن إلى المستهلك في صورة أبسط وأرخص.
وهذه ليست دعوة إلى شرعنة القرصنة.
إنها دعوة إلى معالجة أسباب جاذبيتها أيضا.
فإذا كان السعر المرتفع أحد أسباب توجه بعض المستهلكين إلى السوق غير القانونية، فإن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تعتمد فقط على الزجر والحجب والعقوبات، وإنما كذلك على تطوير سوق قانونية قادرة على منافسة القرصنة بالسعر والجودة والسهولة.
وماذا عن من لا يملك الموارد؟
هنا السؤال الأكثر حساسية.
هل يستطيع القانون أن يحمي حقوق المبدعين من دون أن تتحول حماية المحتوى إلى نوع من الإقصاء الرقمي؟
المواطن محدود الدخل لا يملك بالضرورة القدرة على الاشتراك في كل منصة، ولا يمكن أن نطالبه بأن يدفع مقابل كل بطولة وكل قناة وكل إنتاج منفصل، ثم نعتبر أن المشكلة انتهت بمجرد أن أصبح البث المقرصن ممنوعا.
الحل ليس في إعفاء الفقراء من احترام حقوق الملكية الفكرية.
الحل في التفكير في سياسة وصول عادلة إلى المحتوى.
عروض منخفضة التكلفة، اشتراكات مرنة، باقات عائلية، محتوى رياضي متاح بأسعار معقولة، وتشجيع المنافسة بين المنصات.
فالعدالة هنا لا تعني أن يحصل المواطن على كل شيء مجانا، وإنما أن تكون هناك إمكانية حقيقية للوصول إلى المحتوى المشروع دون أن يصبح ذلك عبئا يفوق قدرته.
القانون قوي… لكن السوق أيضا يجب أن يكون عادلاً
القانون 013.26 يمثل خطوة في تحديث منظومة حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، خصوصا أمام البث الرقمي والقرصنة الرياضية. وقد أكدت الجهات الرسمية أن من أهدافه تعزيز الحماية القضائية وتمكين القضاء من إصدار أوامر لإيقاف أو تعليق البث غير المشروع، بما في ذلك توجيه أوامر إلى الوسطاء التقنيين عند الاقتضاء.
لكن قوة القانون لا تقاس فقط بعدد السيرفرات التي يمكن إغلاقها، ولا بعدد العقوبات التي يمكن إصدارها.
تقاس أيضا بقدرته على خلق توازن.
حماية المبدع من جهة، وحماية المستهلك من جهة أخرى.
حماية الاستثمار، دون تحويل المواطن إلى مجرد مصدر للأداءات.
محاربة الشبكات التي تتاجر بالقرصنة، دون وضع المستهلك العادي في الخانة نفسها.
وتطوير السوق القانونية، حتى لا يصبح الخيار المشروع حكرا على القادرين ماليا.
المعركة الحقيقية ليست ضد المشاهد
إذا كانت الدولة تستعد لاستحقاقات رياضية عالمية مثل كأس العالم 2030، فمن الطبيعي أن تريد أن تقول لشركائها الدوليين ولأصحاب حقوق البث إن المغرب يحترم الملكية الفكرية ويحارب القرصنة.
وهذا أمر إيجابي.
لكن الرسالة الداخلية يجب أن تكون واضحة أيضا:
نريد مغربا يحمي حقوق المبدعين وأصحاب الحقوق، لكنه يحمي كذلك حق المواطن في الاستفادة من الثقافة والرياضة والترفيه في إطار قانوني ومتاح.
لأن النجاح في مكافحة القرصنة لا يكون فقط بإغلاق الطريق غير القانوني.
النجاح الحقيقي هو أن يجد المواطن طريقا قانونيا يستطيع السير فيه.
وفي النهاية، لسنا أمام معركة بين “القانون” و”المستهلك”، ولا بين “المبدع” و”المواطن”.
المعادلة الصحيحة هي:
نحمي الحق… ونحمي القدرة على الوصول إليه.
فإذا كان القانون يحمي صاحب المحتوى من السرقة، فمن واجب السياسة العمومية أن تسأل أيضا:
من يحمي المستهلك من أن يصبح المحتوى القانوني نفسه خارج قدرته؟



