الطريق إلى مونديال 2030… شواطئ الشمال «زيرو عشوائية»
الحداد حسن المنزلي
من طنجة إلى المضيق والفنيدق والحسيمة وكالا إيريس… حملات لتحرير الملك العمومي البحري، لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من «تحرير الشاطئ» إلى تنظيمه وتثمينه وتحويله إلى قيمة سياحية واقتصادية على مدار السنة.
مع كل صيف، تعود إلى الواجهة في عدد من مدن وقرى شمال المغرب معركة تبدو في ظاهرها بسيطة: كراس ومظلات وطاولات تحتل الرمال.
لكن القضية في حقيقتها أكبر بكثير.
إنها تتعلق بـالملك العمومي البحري، وحق المواطن في الولوج المجاني إلى الشاطئ، وتنفيذ قرارات السلطات، وجودة الخدمات، والنظافة، ثم قدرة المغرب على الانتقال من منطق الحملات الموسمية إلى منطق التدبير المستدام.
فمن طنجة إلى المضيق والفنيدق، ومن الحسيمة إلى شواطئ إقليمها، تتكرر مظاهر مختلفة من الاستغلال العشوائي، في الوقت الذي تقوم فيه السلطات بحملات لتحرير الفضاءات الساحلية.
وهنا تطرح المفارقة نفسها:
إذا كانت الدولة قادرة على تحرير الشاطئ، فهل تستطيع أيضا أن تضمن بقاءه محررا ومنظما طوال الموسم؟
طنجة… أرقام تؤكد أن السلطات تتحرك
من الإنصاف القول إن السلطات المحلية بطنجة لم تقف مكتوفة الأيدي.
فالمعطيات المعلنة تتحدث عن 30 حملة تمشيطية أطرتها الملحقة الإدارية الرابعة، بدعم من عناصر القوات المساعدة، وأسفرت عن حجز 1,128 قطعة من التجهيزات، بينها 870 كرسيا بلاستيكيا و178 مظلة شمسية و80 طاولة، إضافة إلى معدات أخرى تستعمل في الاستغلال غير القانوني للرمال.
كما تم اعتماد برنامج مراقبة يومي واستباقي ينطلق منذ الساعات الأولى من الصباح، بهدف منع تخزين المعدات وإعادة تثبيتها، مع تتبع المواقع التي تم تحريرها.
وهذه المعطيات مهمة لأنها تغير السؤال.
لم يعد السؤال:
أين السلطات؟
بل أصبح:
ماذا يحدث بعد تدخل السلطات؟
فالتحرير خطوة أولى، أما ضمان عدم عودة الاحتلال فهو الاختبار الحقيقي لنجاعة القرار.
من المضيق والفنيدق إلى الحسيمة… نفس السؤال بأشكال مختلفة
في شواطئ المضيق والرّينكون، تطرح بدورها شكايات حول المظلات والكراسي واستغلال أجزاء من الرمال، بما يفتح النقاش حول حدود الاستغلال القانوني للملك العمومي البحري، والمساحة المسموح بها لكل نشاط.
وفي الحسيمة، ومنها شاطئا طوريس وتلا يوسف، تتعدد شكايات المصطافين حول المظلات والمطاعم والأسعار وجودة الخدمات، لتضاف إليها مشكلة مواقف السيارات.
وفي تلا يوسف تحديدا، يواجه بعض المصطافين أسعارا لركن سياراتهم يفرضها مستغلو المواقف، في ظل ما يصفه المواطنون بـ«الجيلي الأصفر».
وهنا يطرح سؤال بسيط:
هل أصبح الوصول إلى الشاطئ يحتاج إلى ميزانية إضافية تبدأ قبل الوصول إلى الرمال؟
المطلوب ليس فقط تنظيم مواقف السيارات، بل إشهار التعريفة بوضوح، وتحديد الجهة التي تستغل الموقف، ومعرفة من يراقبها، والتأكد من أن المبالغ المحصلة تتم في إطار قانوني ومنظم.
أما في شاطئ طوريس، فإن الأسئلة تمتد إلى المظلات والمطاعم والخدمات والأسعار وجودتها.
ولا يعني ذلك أن كل نشاط أو كل مستغل مخالف للقانون.
المطلوب هو التمييز بين النشاط الاقتصادي المشروع والمنظم وبين تحويل الملك العمومي إلى مجال خاص خارج الضوابط.
التهافت على الملك البحري… أين الخدمة مقابل الاستغلال؟
المفارقة الأكثر إثارة أن بعض المتهافتين على استغلال الملك العمومي البحري لا يظهرون الحماس نفسه عندما يتعلق الأمر بتقديم خدمة حقيقية للمصطاف.
مظلات وكراس تحتل أفضل المساحات، ومبالغ تطلب مقابل الجلوس، لكن ماذا عن النظافة؟
أين حاويات النفايات؟ ومن يجمع ما يتركه المصطافون؟
أين المرافق الصحية التي تحفظ كرامة الناس، خصوصا النساء والأطفال وكبار السن؟
وأين الأماكن المهيأة لقضاء الحاجة في ظروف تحترم الحد الأدنى من الخصوصية والنظافة؟
لا يمكن أن يكون استغلال الشاطئ مجرد مظلة وكرسي ثم تحصيل المال.
إذا كان النشاط مشروعا، فالمطلوب خدمة مقابلة: فضاء منظم، نظافة مستمرة، تجهيزات ملائمة، أسعار واضحة واحترام لراحة المصطاف وكرامته.
أما أن يتحول الملك العمومي البحري إلى مصدر للربح، بينما تبقى النظافة والمرافق والخدمات مسؤولية الآخرين، فالسؤال يصبح مشروعا:
هل نحن أمام استثمار في خدمة المصطاف، أم مجرد استغلال لمجال عمومي لتحقيق الربح؟
كالا إيريس… شاطئ جميل يستحق أكثر من العشوائية
وهنا نصل إلى كالا إيريس.
شاطئ جذاب، خلاب، واستثنائي بمؤهلاته الطبيعية، لكنه يطرح سؤالا أكبر من سؤال المظلات والكراسي:
ماذا لو تم التعامل مع مثل هذه المواقع بمنطق الاستثمار السياحي الحقيقي؟
من الصعب ألا نتخيل أن شاطئا بهذه المؤهلات، لو وجد في بعض الوجهات المتوسطية الأكثر تنظيما، لكان جزءا من منظومة سياحية متكاملة:
تنظيم راق، جودة في الخدمات، عرض سباحي وترفيهي، أنشطة بحرية مؤطرة، نظافة، مرافق صحية، فضاءات للعائلات، ممرات، خدمات للزوار، وتثمين للمنتوج المحلي.
حينها لا يعود الشاطئ مجرد مكان يقصده الناس خلال شهري يوليوز وغشت.
يمكن أن يتحول إلى وجهة سياحية حقيقية تستقطب الزوار على امتداد السنة، وتخلق فرصا للشغل، وتدر مداخيل على المستثمرين، وتساهم في تقوية مداخيل الجماعة والإقليم، وتدفع عجلة الاقتصاد المحلي.
بمعنى آخر:
كالا إيريس يمكن أن تكون منجما سياحيا، لكن المنجم لا يستخرج منه الذهب بوضع مظلات فوق الرمال.
الذهب الحقيقي هو التثمين.
والتثمين يحتاج إلى رؤية، واستثمار، وتنظيم، وجودة، وحماية للبيئة، وربط بين البحر والمنتوج السياحي المحلي.
المواطن لا يريد معجزة… يريد صيفا سليما
المصطاف الذي يقطع مئات الكيلومترات ويدفع تكاليف النقل والإقامة والطعام لا يطلب أكثر من حق بسيط:
أن يصل إلى البحر، وأن يجد مكانا يجلس فيه دون إجبار على الكراء، وأن يعرف ثمن الخدمة التي يختارها، وأن يركن سيارته دون مفاجآت، وأن يجد النظافة والمرافق الأساسية والسلامة.
وهذا ليس ترفا،
إنه الحد الأدنى من شروط صيف سليم.
فالمواطن لا ينبغي أن يدفع مقابل الجلوس، ثم يبحث عن مكان يرمي فيه نفاياته، أو عن مرفق صحي يقضي فيه حاجته.
هبة الدولة تبدأ من احترام القرار
قد تبدو عبارة «هبة الدولة» كبيرة أمام كرسي بلاستيكي أو مظلة.
لكن المسألة ليست في الكرسي.
المسألة في من يملك حق فرض القاعدة؟
حين تصدر السلطات قرارا بتحرير فضاء عمومي، ثم يحترم القرار في موقع ويخرق في موقع آخر، أو يطبق اليوم ثم يعود الوضع السابق غدا، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن مقلقة:
القانون موجود، لكن استمراره في الميدان يحتاج إلى حظ المواطن ومزاج من يحتل الفضاء.
وهذا ما يجب ألا يحدث.
هيبة الدولة لا تعني كثرة الحملات ولا استعراض القوة.
هيبة الدولة تعني أن القرار القانوني ينفذ، وأن المخالفة تترتب عنها نتيجة، وأن القاعدة نفسها تسري على الجميع.
لا نريد حربا على النشاط الموسمي
ومن الإنصاف أيضا ألا نتعامل مع أصحاب المظلات والكراسي والباعة وأصحاب الأنشطة الموسمية وكأنهم جميعا مشكلة يجب التخلص منها.
وراء هذه الأنشطة أسر وشباب ومداخيل موسمية.
لكن الحاجة الاجتماعية إلى العمل لا يمكن أن تتحول إلى مبرر دائم للفوضى.
الحل ليس في منع النشاط، بل في تنظيمه وإدماجه في الاقتصاد الرسمي:
مساحات محددة، تراخيص واضحة، أسعار معلنة، احترام للملك العمومي، شروط صحية، مراقبة مستمرة، وجزاءات واضحة عند تجاوز القانون.
هكذا يربح المواطن، ويشتغل المهني، وتحصل الدولة والجماعات على مستحقاتها، وتتحول الفوضى إلى اقتصاد موسمي منظم.
من الحملة الموسمية إلى الحكامة الدائمة.
بعد كل هذه الحملات، وكل هذه المحجوزات، وكل هذه التغطيات الإعلامية، لماذا تتكرر الظاهرة كل صيف؟
هل الخلل في ضعف العقوبات؟
أم في ضعف المراقبة المستمرة؟
أم في غياب التنسيق بين المتدخلين؟
أم في تمدد بعض الاستغلالات خارج المساحات المرخصة؟
أم أن المشكلة ببساطة هي أن الحملة موسمية، بينما الاحتلال ينتظر فقط انتهاء الحملة؟
هذه ليست اتهامات.
إنها أسئلة للشفافية والمساءلة.
وإذا كانت هناك تراخيص قانونية، فلتكن واضحة للعموم: من المستفيد؟ ما المساحة؟ ما المدة؟ وما المقابل المالي؟
وإذا لم تكن هناك تراخيص، فالسؤال يصبح أكثر وضوحا:
لماذا يستمر النشاط؟
الطريق إلى 2030 يمر من الشاطئ أيضا.
الشمال المغربي يستعد لمرحلة سياحية كبرى، ومونديال 2030 ليس مجرد موعد رياضي.
إنه أيضا اختبار لصورة المغرب وقدرته على تقديم فضاءات عمومية منظمة، نظيفة، آمنة وتحترم المواطن والزائر.
ولا يمكن أن نتحدث عن «زيرو عشوائية» في الملاعب والطرق والمطارات والفنادق، ثم نقبل بأن يتحول الشاطئ إلى فضاء تفرض فيه الأعراف غير المكتوبة نفسها على القانون.
من طنجة إلى المضيق والفنيدق، ومن تطوان إلى شواطئ اقليم شفشاون إلى طوريس و كالايريس إلى الحسيمة، المطلوب ليس فقط حملات صيفية ناجحة في يومها.
المطلوب منظومة دائمة.
مراقبة مستمرة، خدمات منظمة، أسعار واضحة، مرافق صحية، نظافة، حماية للملك العمومي، وتثمين حقيقي للمؤهلات الطبيعية.
فالشاطئ ليس مجرد رمال وماء.
إنه رأسمال سياحي واقتصادي واجتماعي.
ومن يريد أن يجعل من الشمال واجهة متوسطية حقيقية، عليه أن يتعامل مع هذا الرأسمال بمنطق الاستثمار المستدام، لا بمنطق اقتسام الرمال بين من يصل أولا.
تحرير الشاطئ خطوة أولى، لكن حماية التحرير وتثمين الشاطئ هما الاختبار الحقيقي.
نريد صيفا سليما للمواطن، ونشاطا اقتصاديا منظما للمهني، وخدمات تليق بالمكان، ومراقبة مستمرة للملك العمومي، وقرارات لا تبقى حبرا على ورق.
وفي شواطئ الشمال، الرسالة يجب أن تكون واضحة:
الملك العمومي ليس ملكا لمن يضع أول مظلة، والشاطئ ليس منجما للربح السريع، والقانون لا ينتهي بانتهاء الحملة.
الطريق إلى مونديال 2030 لا تمر فقط عبر الملاعب والبنيات الكبرى. تمر أيضا من الشاطئ، ومن موقف السيارات، ومن النظافة، ومن جودة الخدمة، ومن كل مكان يختبر فيه المواطن يوميا معنى القانون.
شواطئ الشمال تستحق «زيرو عشوائية»… وتستحق أكثر من ذلك: أن تتحول مؤهلاتها الطبيعية إلى ثروة سياحية حقيقية على مدار السنة.



