لغز “الدلاحية” بـبني بوفراح وبني جميل: هل التهميش قضاء وقدر؟
الحداد حسن المنزلي
بين بريق “الذهب الأخضر” وانتحار المنظومة البيئية والمعيشية.
بينما تتحدث التقارير الرسمية عن خطط “الجيل الأخضر” وتوزيع الشتلات المقاومة للحشرة القرمزية، يعيش الواقع الميداني لدواوير بني بوفراح (كاكني، بوكراط، دار زيخلف،إدغيرن، إمنهوطن، ازلوغن، إبحياتن، تشومبيرة،……) غيابا تاما لأي غرس فعلي. المفارقة الصارخة هنا هي أن الفلاح الذي يملك الجرأة والمال لحفر آبار عشوائية بعمق مئات الأمتار لخدمة زراعة القنب الهندي، أصبح يرى الصبار (الدلاحية) وأشجار اللوز التي كانت عماد الاقتصاد الأسري حلقات ضعيفة لا تستحق الجهد، مما أدخل الساكنة في ثقافة “الاستسلام والرضا بالواقع”.
وفي عمق هذا التراجع، يستحضر الموروث الشفاهي بدوار “أكني” قصة امرأة تمكنت بمفردها قديما من زراعة جبل بأكمله بالصبار يسمى “جنينة المعدومة”، ليتحول إلى قبلة للساكنة لارتواء وجني التين الشوكي، قبل أن تقضي عليه الحشرة القرمزية عن بكرة أبيه. وهنا تبرز المفارقة الأكثر مرارة: كيف لامرأة واحدة بعزيمتها البدائية أن تكسو جبلا، بينما تعجز مؤسسات وجهات وصية، بما تملكه من إمكانيات، ومعدات، وميزانيات، ودراسات، عن زراعة غصن صبار واحد لإحياء هذا المجد البيئي؟
بالعين المجردة، تعيش المنطقة على وقع “تهريب معيشي من صنف آخر”؛ حيث يتم التغاضي عن زراعة الكيف واستنزاف الثروة البحرية عبر صيد الأسماك دون الحجم القانوني طيلة السنة لسد رمق العائلات. هذا الانغماس في اقتصاد الهشاشة والخوف من لفت الانتباه، جعل الفلاحين يتراجعون عن المطالبة بأبسط الحقوق الدستورية كالماء الصالح للشرب و حقهم في شتلات من الصبار المقاوم للحشرة.
وحتى أطباق “زامبو” و”التشيشة”، اللذان يشكلان عصب الأمن الغذائي الأسري، بقيت استدامتهم مرهونة برحمة التساقطات المطرية، في وقت كان من المفترض على الجهات الوصية تثمين هذه المنتجات وتصنيفها وترميزها كمنتوج مجالي أصيل، مع فتح آفاق التأطير، وتطوير المنتجات عبر خلق تعاونيات، ورقمنة مسلسلات البيع عبر منصات إلكترونية، بالإضافة إلى إعادة الروح لسوق النساء “الثلاثاء” التاريخي الشهير وتحويله إلى منصة للمنتجات المحلية وسوقٍ للقرب.
الغريب أن هذا التهميش يضرب منطقة تزخر بمؤهلات طبيعية ساحرة تزاوج بين الجبال الشامخة وأجمل شواطئ الشمال وأكثرها عذرية، وعلى رأسها جوهرة “كلايريس” (Cala Iris). ومع ذلك، تظل هذه الثروات خارج النسيج الاقتصادي والإرادة الاستثمارية، مما يطرح سؤالا مريرا: هل التهميش قدر ومحتوم على هذه الربوع، أم هو نتيجة غياب الترافع الجاد وضعف التمثيلية السياسية و المهنية التي فضلت “الولاء والمساومة السياسية” على حساب حقوق المداشر و الساكنة ؟
إن إعادة بعث الصبار والمنظومة المعيشية بالمنطقة ليس ترفا، بل هو صمام أمان للاقتصاد الأسري وقضية كرامة بيئية لتفادي الانهيار التام عند أول جفاف. المسؤولية اليوم جماعية: على الوزارة الوصية فرض “العدالة المجالية” لنقل الشتلات من الأوراق إلى تراب الدواوير المنسية، وعلى الفعاليات المحلية أن تدرك أن الطفرات المالية المؤقتة لزراعات الاستنزاف لا يمكنها أبدا تعويض الأمان المائي والغذائي للأجيال القادمة.



