طنجة الكبرى في الصيف.. حين ينجح الأمن في امتحان المدينة
بقلم : الحداد حسن المنزلي
ولاية الأمن تشتغل بمنطق الاستباق.. فماذا لو اشتغلت باقي القطاعات والمجالس المنتخبة بالنفس نفسه؟
كل صيف، تدخل طنجة الكبرى امتحانا جديدا.
مدينة تتضاعف فيها الحركة، وتتسع فيها حركة السياحة والعبور، وتمتلئ شوارعها وشواطئها وكورنيشها بالزوار، فيما تستمر في مواجهة تحدياتها المعتادة: الاختناق المروري، الضغط الديموغرافي، الأحياء ذات الكثافة السكانية، التوسع العمراني، حركة العبور الحدودية، فضلا عن بعض مظاهر الجريمة والفوضى في الفضاء العام.
وسط كل هذا الضغط، تبرز ولاية أمن طنجة كواحدة من المؤسسات التي تبدو مطالبة كل صيف بأن ترفع منسوب الجاهزية، وأن تتعامل مع المدينة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
الأمن بمنطق الخطة لا بمنطق رد الفعل
ما يميز التدبير الأمني خلال الصيف هو الانتقال أكثر فأكثر من انتظار المشكلة إلى محاولة استباقها.
دوريات راجلة وراكبة، حضور مكثف بالمحاور الرئيسية، تأمين الشريط الساحلي والكورنيش، مراقبة النقط السوداء، تدبير حركة السير والجولان، حملات بالأحياء الشعبية، والتفاعل السريع مع الوقائع التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
حتى التكنولوجيا أصبحت جزءا من هذه المعادلة و التدبير الصيفي ، من خلال الدوريات الذكية المزودة بأنظمة للمراقبة وقراءة لوحات الترقيم وربط المعطيات بقاعات القيادة والتنسيق.
بمعنى آخر، هناك خطة موسمية تتكيف مع طبيعة المدينة وضغطها المتغير.
وهذه نقطة تستحق التنويه.
من الكورنيش إلى الأحياء الشعبية
الأمن الصيفي في طنجة الكبرى لا يقتصر على الواجهة التي يراها السائح.
ففي الأحياء الشعبية، تتواصل الحملات التمشيطية لمحاربة السرقة وترويج المخدرات وتوقيف الأشخاص المبحوث عنهم، بينما تستمر في الشريط الساحلي حملات ضبط الدراجات النارية والكهربائية والسياقة الاستعراضية وبعض المظاهر التي قد تهدد سلامة الراجلين والمصطافين.
كما أن سرعة التفاعل مع بعض الوقائع المصورة والمتداولة رقميا أصبحت جزءا من المشهد الأمني الجديد.
وهنا تظهر قيمة أساسية:
أن يشعر المواطن بأن المعلومة تصل، وأن التدخل لا ينتظر طويلا.
لكن هنا تبدأ المفارقة التي تستحق النقاش.
ولاية الأمن مطالبة كل صيف بأن تتكيف مع ضغط المدينة، وأن تضع خطة، وتعيد توزيع مواردها، وتكثف حضورها، وتستبق المخاطر، وتستفيد من التكنولوجيا، وتراجع أساليب تدخلها وفق المستجدات.
فلماذا لا نرى دائما الدرجة نفسها من الاستباق والتنسيق في باقي القطاعات؟
لماذا لا تصبح النظافة، والنقل، والإنارة، والطرق، والمرائب، وتنظيم الشواطئ، والأسواق، والفضاءات العمومية، جزءا من خطة صيفية موحدة بالجدية نفسها؟
فالزائر لا يعيش «الأمن» وحده.
هو يعيش المدينة كلها.
قد يكون الشارع آمنا، لكنه عالق في الاختناق المروري.
وقد تكون الدورية حاضرة، لكن الرصيف محتل.
وقد يكون الشاطئ مؤمنا، لكن محيطه يعاني من الفوضى.
وقد تكون الشرطة حاضرة في الوقت المناسب، بينما تتأخر خدمات أخرى في معالجة مشاكل يعرف الجميع أنها ستتكرر كل صيف.
السؤال الذي لا مفر منه
ماذا لو اشتغلت جميع القطاعات والمجالس المنتخبة بالرؤية نفسها التي تشتغل بها ولاية الأمن بطنجة خلال موسم الصيف؟
ماذا لو كانت لكل قطاع خريطة للمخاطر، وخطة استباقية، وانتشار ميداني، وتقييم يومي، وتنسيق حقيقي، ومسؤولية واضحة عن النتائج؟
ربما عندها لن يكون طموح طنجة مجرد أن تنجح في تدبير صيفها.
ربما كان صيف طنجة يضاهي صيف ماربيا.
ليس لأن طنجة تفتقد المؤهلات.
بل لأن المدينة تملك الموقع، والبحر، والتاريخ، والميناء، والمطار، والفنادق، والمطاعم، والطاقة السياحية، وقربها الاستثنائي من أوروبا.
ما ينقصها في كثير من الأحيان ليس الإمكانات، وإنما انسجام أداء المؤسسات حول رؤية واحدة للمدينة.
التنويه بعمل ولاية الأمن لا يعني منحها شيكا على بياض، ولا يعني أن الأمن وحده قادر على إنجاح الموسم.
لكنه يعني الاعتراف بأن الاستباق، والتخطيط، والحضور الميداني، وسرعة التفاعل، وتوظيف التكنولوجيا، وربط المسؤولية بالنتيجة، كلها أدوات أثبتت أهميتها في تدبير مدينة تحت الضغط.
وهذه ليست وصفة أمنية فقط.
إنها وصفة لتدبير المدينة بأكملها.
إذا كانت طنجة تستحق أن تكون مدينة عالمية، فلا ينبغي أن تعمل مؤسساتها بمنطق الجزر المنفصلة.
الأمن لا يستطيع وحده أن يصنع صيفا ناجحا.
والجماعة لا تستطيع وحدها.
والنقل لا يستطيع وحده.
والسياحة لا تستطيع وحدها.
المدينة تنجح عندما تشتغل مؤسساتها بنفس واحد، وخطة واحدة، ومسؤولية واحدة.
وقد أثبتت ولاية الأمن أن ضغط الصيف يمكن التعامل معه بخطة واستباق وجاهزية.
والسؤال الآن ليس: هل تستطيع طنجة أن تكون مثل ماربيا؟
السؤال الحقيقي هو:
متى ستشتغل طنجة كلها، بمختلف قطاعاتها ومجالسها ومؤسساتها، بالعقلية نفسها التي تجعل الأمن يستعد للصيف قبل أن يبدأ؟



