بين مبررات شركات التأمين وحق السائق في الشفافية والمنافسة والتحفيز.. أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة
أثارت الزيادة الأخيرة، التي تناهز 5 في المائة في أقساط التأمين على المسؤولية المدنية للسيارات، نقاشا مشروعا حول مبرراتها وانعكاساتها على المستهلك، خصوصا أن الأمر يتعلق بتأمين إجباري لا يستطيع صاحب السيارة الاستغناء عنه.
ومن حق شركات التأمين أن تراجع أسعارها عندما تكون هناك ارتفاعات حقيقية في التكاليف والمخاطر، لكن من حق المستهلك، في المقابل، أن يعرف لماذا ارتفع القسط، وعلى أي أساس تم تحديد هذه النسبة تحديدا؟
إذا كانت المبررات ترتبط بارتفاع كلفة التعويضات وحوادث السير، وبالآثار المالية للإصلاح الجديد لمنظومة تعويض الضحايا، فإن المطلوب هو تقديم معطيات واضحة وموضوعية تشرح حجم هذه الأعباء ومدى انعكاسها الفعلي على الأسعار.
وماذا عن السائق الملتزم؟
السؤال لا يتعلق فقط بمن ارتفع عليه القسط، بل أيضا بمن لم يتسبب أصلا في ارتفاع كلفة المخاطر.
ما ذنب السائق الذي لم يرتكب مخالفة ولم يتسبب في حادثة سير، وظل لسنوات يؤدي أقساطه بانتظام؟
إذا كان انخفاض مستوى المخاطر يستحق الاعتراف به، فمن المشروع أن نطالب بتحفيزات أكبر للسائقين أصحاب السجلات النظيفة، وأن تصبح السلامة في القيادة عاملا حقيقيا في تحديد كلفة التأمين.
وإذا كانت كثرة الحوادث وارتفاع التعويضات مبررا لرفع الأقساط، فهناك سؤال مقابل لا يقل أهمية:
ماذا تقدم شركات التأمين من برامج ومشاريع ملموسة للوقاية من حوادث السير وتعزيز السلامة الطرقية؟
فالوقاية ليست مسؤولية الدولة وحدها. وقطاع التأمين، باعتباره مستفيدا ومتضررا في الوقت نفسه من تطور المخاطر، ينبغي أن يكون شريكاً أساسياً في الحد منها.
نحن لا نطالب فقط بأن تدفع شركات التأمين التعويض بعد وقوع الحادث، بل نريد أن نرى استثمارا أكبر في منع الحادث قبل وقوعه.
زيادة الأسعار وثقافة التأمين
هناك بعد آخر ربما يكون أكثر أهمية على المدى البعيد.
المغرب ما يزال أمام ورش كبير لترسيخ ثقافة التأمين. فالكثير من الأسر والمواطنين والمهنيين لا يزالون لا يفكرون في تأمين منازلهم أو مشاريعهم أو حياتهم إلا في حدود ضيقة.
لذلك، فإن ارتفاع كلفة التأمين الإجباري قد يحمل أثرا يتجاوز السيارة نفسها. فقد يعزز لدى المواطن فكرة أن التأمين مجرد عبء مالي، ويدفع بعض الأسر والمهنيين إلى تأجيل أو التخلي عن تأمينات اختيارية أخرى.
وهنا تكمن المفارقة:
نريد توسيع ثقافة التأمين في المغرب، لكن علينا في الوقت نفسه أن نحافظ على ثقة المواطن في التأمين وقدرته على تحمله.
أين مؤسسات الرقابة والمنافسة؟
هذه القضية لا ينبغي أن تبقى مجرد خلاف بين المستهلك وشركات التأمين.
هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي مطالبة بالتأكد من احترام القواعد المنظمة للقطاع، ومن أن مراجعة الأسعار تستند إلى أسس موضوعية وقابلة للتبرير.
أما مجلس المنافسة، فدوره أساسي في ضمان منافسة حقيقية داخل السوق. وتشابه الأسعار أو الزيادات لا يثبت وحده وجود اتفاق غير مشروع، لكن أي مؤشرات جدية على تنسيق بين المنافسين يجب أن تخضع للتحقق من طرف الجهات المختصة.
وإذا تبين أن الزيادة غير مبررة أو غير شفافة أو تمت خلافا للقواعد القانونية والتنظيمية، فإن تدخل مؤسسات الرقابة يصبح واجبا لحماية المستهلك.
نحن لا ندافع عن تأمين رخيص على حساب حقوق ضحايا حوادث السير، ولا نريد إضعاف شركات التأمين.
نريد شركة تأمين قوية، مستهلكا محميا، منافسة حقيقية، أسعارا مبررة وشفافة، وسائقا ملتزما تتم مكافأته على انخفاض مستوى المخاطر.
ونريد أيضا شركات تأمين تكون في مقدمة المستثمرين في الوقاية والسلامة الطرقية، لأن قوة هذا القطاع واستدامته يجب أن تنعكسا على المجتمع، لا أن تقتصر علاقته بالمواطن على تحصيل الأقساط وأداء التعويضات.
فالسؤال في النهاية ليس فقط:
لماذا ارتفع التأمين؟
بل أيضا:
ماذا قدمت شركات التأمين للمستهلك مقابل هذه الزيادة، وماذا قدمت للوقاية من الحوادث، وكيف نحافظ على ثقة المواطن حتى يصبح التأمين ثقافة حماية لا مجرد تكلفة إجبارية؟



