قرى طنجة الكبرى في انتخابات 2026… الناخب تغير والملفات لم تتغير
بقلم : الحداد حسن المنزلي
البادية تصوت والمدينة تستفيد… هل تكون 2026 لحظة تاريخية لولوج قرى طنجة إلى التنمية؟
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تعود قرى ودواوير طنجة-أصيلة إلى واجهة الحسابات الانتخابية. فالدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة تضم خمسة مقاعد بمجلس النواب، فيما تستعد طنجة الكبرى لمرحلة جديدة من التحولات والمشاريع المرتبطة بمكانتها الاقتصادية والاستعدادات لاستحقاقات كبرى، في مقدمتها احتضان مباريات كأس العالم 2030.
وفي هذه اللحظة بالذات، تبدو البادية أكثر حضورا في المعادلة الانتخابية، لأنها ليست مجرد مجال ترابي محيط بالمدينة، بل جزء أساسي من الخريطة التي تصنع من خلالها التمثيلية البرلمانية.
لكن السؤال اليوم لم يعد فقط: من سيحصل على أصوات البادية؟
بل أصبح أكثر مباشرة:
ماذا ستأخذ البادية مقابل ثقتها؟
بادية اليوم ليست بادية الأمس
إذا كانت برامج الجيل الجديد من التنمية الترابية المندمجة قد حددت أولوياتها في التشغيل والصحة والتعليم والماء والتأهيل الترابي وتقليص الفوارق المجالية، فإن ساكنة القرى تنتظر معالجة ملفات أكثر التصاقا بحياتها اليومية.
في مقدمتها التحفيظ الجماعي كمدخل للتسوية العقارية، والتحديد الإداري للمجال الغابوي وما رافقه من إشكالات، ثم وثائق التعمير وضابطة البناء وتوسعة المجالات الحيوية للدواوير بما يسمح بالبناء القانوني والحد من البناء العشوائي.
وهناك أيضا فك العزلة، وتأهيل المسالك وربط الدواوير بالطرق الإقليمية، وتهيئة الأسواق الأسبوعية، وتحسين الخدمات الصحية، وتوفير الماء الصالح للشرب.
هذه الملفات قد لا تكون الأكثر بريقا في الخطابات الانتخابية، لكنها بالنسبة إلى الساكنة هي التنمية نفسها.
الأهم أن بادية اليوم ليست بادية الأمس.
فالناخب القروي أصبح متصلا بالعالم الرقمي؛ يتابع ويسأل ويقارن ويصل إلى المعلومة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. لم يعد ينتظر فقط الوعود والشعارات والملصقات الانتخابية.
لقد أصبح يعرف ما يقال، وما وعد به، وما تحقق، وما بقي معلقا.
كما أصبح أكثر وعيا بجدلية العلاقة بين المعين والمنتخب، وبحدود صلاحيات كل طرف ومسؤولياته. ولذلك فهو لا يريد أن يسمع فقط من يملك القرار، بل يريد أن يعرف أيضا: من يستطيع أن يفعل ماذا؟
وهنا تتغير قواعد اللعبة.
فتراكم الملفات العالقة لم يعد مجرد مطالب محلية متفرقة، بل أصبح جزءا من ذاكرة انتخابية يمكن أن تؤثر في علاقة الناخب بالأحزاب والمرشحين.
طنجة أمام فرصة كبرى… فأين البادية منها؟
تدخل طنجة الكبرى مرحلة مختلفة. فالاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030، وما يرافقها من تأهيل للمدينة وتعزيز بنياتها ومشاريعها، تفتح أمام المنطقة فرصة استثنائية لإعادة توزيع ثمار التنمية على مجالها بأكمله.
وهنا تحديدا تطرح قرى طنجة الكبرى سؤالها.
إذا كانت المدينة تتأهل لاحتضان العالم، فهل ستتأهل البادية أيضا للحياة الكريمة؟
فالرهان لا ينبغي أن يكون على تجميل واجهة طنجة فقط، وإنما على جعل التحول الكبير الذي تعرفه المنطقة فرصة لفك العزلة عن الدواوير، وتأهيل بنياتها، وتحسين خدماتها، وإدماجها في الدينامية الاقتصادية الجديدة.
والناخب القروي يعرف جيدا هذه الجدلية:
البادية تصوت، والمدينة تستفيد.
قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تعبر عن سؤال أصبح من الصعب تجاهله: كيف يمكن أن تتحول الأصوات التي تساهم في تحديد التمثيلية البرلمانية إلى قوة تفاوضية من أجل إدماج القرى في مشاريع التنمية التي تعرفها طنجة الكبرى؟
ولعل بعض الملفات في جنوب طنجة الكبرى تختصر هذه المعادلة.
فملف مركز الطمر والتثمين بالمنزلة، وما يرتبط به من أسئلة بيئية ومخاوف حول تأثيراته على محيطه، لم يعد ملفا مجهولا بالنسبة إلى الساكنة. وهناك رهان على تطوير المركز وتثمين النفايات، لكن نجاح ذلك يحتاج إلى منظومة متكاملة، من بينها الفرز في المنبع وحماية المجال الحيوي للمركز.
لكن الناخب لا يحتاج إلى محاضرة تقنية حول النفايات.
إنه يريد أن يعرف شيئا أبسط:
ماذا ستقدم الأحزاب ووكلاؤها لهذا الملف في 2026؟
فالناخب يعلم أن الجهات الوصية تعلم، ويعلم أيضا أن ما يعلمه هو ليس مجهولا لدى من يملك القرار.
ولهذا لم يعد المطلوب تجميل الواقع أو إعادة إنتاج الوعود، وإنما تقديم أجوبة واضحة حول ما يمكن فعله، وما يمكن إنجازه، ومن يتحمل مسؤولية ذلك.
المفارقة أن الناخب تغير بسرعة أكبر من بعض الملفات التي ينتظر حلها.
تغيرت وسائل الوصول إلى المعلومة، وأصبح الهاتف المحمول نافذة على العالم وعلى ما يحدث داخل الجماعة و مجلس العمالة و الجهة و البرلمان وخارجهما، بينما ما زالت بعض الملفات تراوح مكانها.
دوار ينتظر وثيقة تعمير، وأرض تنتظر التسوية، ومسلك ينتظر التأهيل، ومرفق ينتظر الإصلاح، وملفات بيئية تحتاج إلى حلول واضحة.
وفي الوقت نفسه، تتقدم طنجة الكبرى نحو مرحلة استثمارية وتنموية كبرى، وتستعد لاستحقاق عالمي بحجم مونديال 2030.
وهنا تصبح الفرصة التاريخية واضحة:
إما أن تدخل قرى طنجة الكبرى إلى هذه الدينامية من بابها الواسع، أو تظل تراقبها من خلف الطريق.
2026… من التصويت إلى التفاوض على التنمية
لذلك، فإن انتخابات 2026 لا ينبغي أن تكون بالنسبة إلى البادية مجرد موعد لاختيار ممثلين جدد.
يمكن أن تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الصوت الانتخابي والتنمية.
فالقرى لا تطلب امتيازا خاصا، وإنما تريد أن تكون جزءا من المستقبل الذي يجري بناؤه في طنجة الكبرى.
وإذا كانت أصواتها جزءا من المعادلة التي تحدد المقاعد البرلمانية، فمن حقها أن تسأل المرشحين والأحزاب:
ماذا ستفعلون حتى تصبح هذه الأصوات مدخلا لتنمية القرى، لا مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمان؟
انتخابات 2026 في قرى طنجة الكبرى و المناطق المضافة إلى المجال الحضري قد تكون اختبارا ليس فقط للأحزاب والمرشحين، بل لمنسوب الثقة بين الناخب وممثليه.
فالناخب القروي لم يعد ينتظر أن يسمع أكثر.
لقد أصبح يريد أن يرى أكثر.
وفي لحظة تستعد فيها طنجة الكبرى لاستحقاقات وتحولات قد تعيد رسم جزء كبير من مستقبلها، فإن بادية طنجة أمام فرصة لا تتكرر كثيرا:
أن تنتقل من كونها قاعدة انتخابية أساسية إلى شريك فعلي في تحديد أولويات التنمية.
فالمدينة تستفيد من الدينامية الجديدة، وهذا أمر طبيعي.
لكن السؤال الذي سيحمله الناخب القروي إلى انتخابات 2026 هو:
وماذا عن قريتي؟ ماذا عن دواري؟ وماذا سأستفيد أنا من هذه اللحظة التاريخية؟
المعادلة اليوم بسيطة:
لا نريد وعودا أكثر… نريد حقوقا معلقة أقل.
ولا نريد أن تكون 2026 موسم وعود جديدا.
نريدها لحظة يتحول فيها صوت البادية إلى فرصة حقيقية لولوج التنمية من بابها الأوسع.
فالناخب القروي لم يعد ينتظر أن يسمع أكثر…
لقد أصبح يريد أن يرى أكثر.


