فاطمة الزهراء المنصوري… حكومة لم تتشكل بعد، وأسئلة بدأت قبل أن تبدأ
بقلم : الحداد حسن المنزلي
بين حق الاختلاف وحدود التشهير:
حين يصبح كون رئيسة الحكومة امرأة موضوعا للنقاش قبل برنامج الحكومة وأدائها
منذ الإعلان، يوم 29 شتنبر 2026، عن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بدأ نقاش واسع حول هذه السابقة السياسية، وهو نقاش طبيعي في جزء منه، باعتبار أن الأمر يتعلق بمحطة غير مسبوقة في تاريخ رئاسة الحكومة بالمغرب. لكن اللافت أن بعض النقاشات انتقلت سريعا من تقييم التجربة السياسية المنتظرة إلى أسئلة وتأويلات مرتبطة بكون رئيسة الحكومة امرأة، وبمرجعيتها الدينية والفكرية، بل وبحياتها الخاصة، في وقت أن الحكومة نفسها لم تتشكل بعد، وبالتالي لا توجد حصيلة أو أداء حكومي يمكن تقييمه.
من حق أي مواطن أو فاعل سياسي أو باحث أن يناقش الاختيارات السياسية، وأن يطرح أسئلة حول البرنامج والقدرة على التدبير والانسجام الحكومي والنتائج المنتظرة. لكن من الضروري أيضا التمييز بين النقاش السياسي المشروع وبين تحويل جنس رئيس الحكومة إلى معيار مسبق للحكم على الكفاءة، أو الانتقال من الاختلاف السياسي إلى المساس بالحياة الخاصة والكرامة.
أما توظيف المرجعية الدينية في هذا النقاش، فينبغي أن يراعي خصوصية النموذج المغربي، حيث الشأن الديني مؤطر دستوريا ومؤسساتيا، ويرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الجهة المؤهلة دستوريا لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا في المسائل المحالة عليها. لذلك لا ينبغي تحويل الاجتهادات الفردية إلى أحكام ملزمة، أو تداول محتويات دينية تتعارض مع الثوابت والمرجعيات المعتمدة بالمغرب، بل التثبت منها والتبليغ عن المحتويات المخالفة أو المحرضة أو المتنافية مع القانون.
والأمر نفسه ينطبق على الفضاء الرقمي. فالتطور التكنولوجي، وخصوصاً أدوات الذكاء الاصطناعي، جعل إنتاج الصور والمقاطع والمحتويات المفبركة أكثر سهولة، وهو ما يفرض قدرا أكبر من التحقق والمسؤولية قبل النشر وإعادة المشاركة. فالخبر غير الموثوق لا يصبح حقيقة بمجرد انتشاره، والمحتوى المفبرك لا يتحول إلى دليل لأن آلاف الأشخاص تداولوه.
ومن الواجب الأخلاقي والإنساني عدم إعادة نشر أو مشاركة أي محتوى مشبوه أو مفبرك، لأن التفاعل معه، حتى بدافع الاستنكار، قد يحقق للمسيء مبتغاه ويساعده في إيذاء ضحيته، مع التبليغ عن كل محتوى يتضمن تشهيرا أو مساسا بالحياة الخاصة والكرامة أو يتنافى مع القانون.
لنكن جميعا سدا منيعا أمام التشهير والجرائم الإلكترونية، أيا كان ضحيتها وأيا كان موقعه أو انتماؤه. فالكرامة لا تتجزأ، والحياة الخاصة ليست مجالا للمبارزة السياسية، والاختلاف في الرأي لا يمنح أحدا الحق في إيذاء الآخر.
قد يكون تعيين أول امرأة على رأس الحكومة حدثا تاريخيا، لكن التاريخ الحقيقي لهذا التعيين لن تصنعه السجالات الرقمية ولا الصور المتداولة، وإنما ستصنعه القرارات والنتائج وقدرة الحكومة على الاستجابة لانتظارات المغاربة.
فالحكومة لا تقاس بجنس رئيسها، وإنما بما تفعله من أجل المواطنين. والمرأة لا تحتاج إلى إعفاء من المساءلة كي تثبت قدرتها على القيادة، كما أن الرجل لا يحصل على صك كفاءة لمجرد أنه رجل. تلك هي المساواة التي تستحق أن ندافع عنها.


