حكومة المنصوري والكتلة الديمقراطية… حين يصبح «المؤشر الاجتماعي» امتحانا سياسيا.
بقلم : الحداد حسن المنزلي
الجرار والميزان والوردة والكتاب… صورة تحمل رسائل للماضي والحاضر والمستقبل، وحكومة ستقاس بما يتغير في حياة المواطنين قبل استحقاقات 2027.
لم يكن اختيار فاطمة الزهراء المنصوري لأحزاب الكتلة الديمقراطية مجرد حساب عددي لتأمين الأغلبية. ورغم عدم وجود حسم رسمي، فإن مختلف القراءات والمتابعات لمشاورات تشكيل الحكومة تجعل حضور الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في المعادلة الحكومية أقرب إلى التحصيل الحاصل، بينما تبقى تفاصيل المشاركة وتوازناتها قيد الانتظار.
فالمرحلة تفرض قراءة تتجاوز المقاعد إلى التوجهات والبرامج والوعود، وإلى طبيعة التحديات التي يواجهها المغرب داخليا وخارجيا.
المعادلة الجديدة تقوم على حاجة متبادلة: الكتلة تحتاج إلى البام، والبام يحتاج إلى الكتلة. ليس لأن أحد الطرفين عاجز عن تدبير موقعه السياسي، وإنما لأن المرحلة تحتاج إلى تجميع روافد سياسية مختلفة حول مشروع حكومي قادر على مواجهة تركة ثقيلة، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، والتحرك في محيط إقليمي ودولي بالغ التعقيد.
ومن هنا، فإن الصورة التي قد تجمع الجرار والميزان والوردة والكتاب داخل حكومة واحدة، ليست مجرد صورة لأربعة أحزاب. إنها رسالة إلى الماضي والحاضر والمستقبل.
إلى الماضي، لأنها تجمع مكونات ذات تجارب ومرجعيات سياسية مختلفة، بينها أحزاب متجذرة في تاريخ الحركة الوطنية واليسار المغربي، إلى جانب حزب نشأ في سياق سياسي مختلف. وإلى الحاضر، لأنها تعكس إمكانية تجاوز الخلافات السابقة عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية وتدبير مرحلة دقيقة. وإلى المستقبل، لأنها تفتح الباب أمام صيغة سياسية قد تتجاوز الحسابات الانتخابية الظرفية نحو مسؤولية حكومية مشتركة.
وبالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، تحمل هذه الصيغة مكسبا سياسيا يتجاوز رئاسة الحكومة. فوجود الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى جانبه يمنح التجربة امتدادا سياسيا واجتماعيا واسعا، ويساعد الحزب على تقديم نفسه باعتباره قائدا لائتلاف يجمع مدارس وتجارب سياسية مختلفة.
وفي المقابل، تمنح مشاركة أحزاب الكتلة فرصة لتحويل برامجها ووعودها إلى سياسات عمومية من داخل القرار التنفيذي، مع الحفاظ على أولوياتها المرتبطة بالدولة الاجتماعية والقدرة الشرائية والطبقة الوسطى والشغيلة.
وهنا تكمن أهمية السياق. فالحكومة الجديدة ترث ملفات ثقيلة مرتبطة بالقدرة الشرائية والخدمات العمومية والثقة الاجتماعية، في وقت يعيش فيه العالم تحولات متسارعة، من الحرب في أوكرانيا إلى التطورات في منطقة الخليج والشرق الأوسط، بما تفرضه من ضغوط اقتصادية وأمنية ودبلوماسية.
كما تظل قضية الوحدة الترابية في صلب الأولويات الوطنية، وهو ما يجعل للدبلوماسية الرسمية والموازية، وللحضور السياسي والمدني للأحزاب، أهمية خاصة في الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب.
ولا يقل عن ذلك أهمية الامتداد النقابي والجماهيري لأحزاب الكتلة، بما يمكن أن يشكله من رافد للحوار والحفاظ على السلم الاجتماعي في مرحلة قد تتطلب قرارات صعبة وإصلاحات لها كلفتها الاجتماعية.
لهذا، فإن نجاح هذه الصيغة لن يقاس فقط بقدرتها على تشكيل أغلبية، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف السياسي إلى عمل حكومي مشترك. فالبام يحتاج إلى الكتلة لتوسيع قاعدة الثقة السياسية والاجتماعية حول حكومته، والكتلة تحتاج إلى البام لتحويل حضورها السياسي وبرامجها إلى قرارات وسياسات ملموسة.
لكن الاختبار الأهم سيأتي من مكان آخر: المؤشر الاجتماعي.
فكما أصبح السجل الاجتماعي الموحد يعتمد مؤشرا اجتماعيا واقتصاديا للأسرة لتحديد أهلية الاستفادة من برامج الدعم، ستجد الحكومة نفسها أمام مؤشر آخر، غير مكتوب، تصنعه الحياة اليومية للمواطن: القدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والسكن، وجودة الخدمات والحماية الاجتماعية.
فالدولة تقيس، عبر منظومة الاستهداف الاجتماعي، درجة استحقاق الأسرة للدعم، والمواطن، في المقابل، سيقيس أثر السياسات العمومية من خلال ما يتغير فعليا في حياته.
ومن هنا تصبح استحقاقات 2027، من دون استباق نتائجها، محطة لقياس الأثر الاجتماعي والسياسي للمرحلة التي ستقودها حكومة المنصوري والكتلة الديمقراطية. لن يكون السؤال فقط: من حكم؟ بل أيضا: ماذا تغير في حياة الناس؟
إذا كان للدولة مؤشر اجتماعي تقيس به درجة الاستحقاق، فإن للمواطن أيضا مؤشرا اجتماعيا يقيس به أثر السياسات العمومية.
لهذا، فإن صورة الجرار والميزان والوردة والكتاب داخل حكومة واحدة قد تكون أكثر من مجرد تركيب حكومي. إنها اختبار لقدرة السياسة المغربية على تحويل الاختلاف إلى قوة، والتاريخ إلى خبرة، والتعدد إلى مشروع مشترك.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح هذه التجربة بعدد الأحزاب التي صنعت أغلبيتها، بل بما ستتركه من أثر في حياة المواطنين.
فإذا تحولت الشراكة السياسية إلى نتائج ملموسة، استفاد منها البام والكتلة والدولة والمجتمع معا. أما التحدي الحقيقي، فهو أن تتحول هذه الصورة السياسية الجميلة إلى عمل حكومي يلمسه المواطن.



