التروتينيت تغزو شوارع طنجة… من يحمي مستعملي الطريق؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
وسيلة نقل تفرضها إكراهات التنقل الحضري، وقواعد قانونية جديدة لتنظيم استعمالها، وأسئلة حول التأمين وسلامة المركبات المعروضة للبيع. المطلوب فضاء عام آمن يحفظ حقوق الجميع.
لم تعد التروتينيت الكهربائية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت خيارا يوميا لدى الشباب والعمال والنساء، في ظل إكراهات النقل العمومي والازدحام واتساع المجال العمراني لمدينة طنجة.
لكن انتشارها يطرح أسئلة تتجاوز حرية اقتنائها واستعمالها: ما شروط قيادتها؟ هل التأمين إجباري؟ أين يسمح بالسير بها؟ ومن يحمي مستعملها والراجلين وباقي مستعملي الطريق من مخاطر المركبات غير المطابقة والقيادة المتهورة؟
إنها قضية تتقاطع فيها حقوق المستهلك والسلامة الطرقية ومسؤولية البائع والسلطات، وتستدعي مقاربة تجمع بين تطبيق القانون والتحسيس والوقاية.
تعزز الإطار التنظيمي المغربي بموجب المرسومين رقم 2.24.393 و2.25.145، اللذين يؤطران المواصفات التقنية لمركبات التنقل الشخصي بمحرك وقواعد استعمالها، في إطار مدونة السير على الطرق رقم 52.05.
ومن أبرز الشروط المنظمة لهذه المركبات ألا تتجاوز سرعتها التصميمية 25 كيلومترا في الساعة، وأن تستوفي متطلبات السلامة والتجهيزات التقنية، بما فيها الفرامل والإنارة والعواكس الضوئية وجهاز الإنذار الصوتي. كما تخصص التروتينيت لشخص واحد، وتمنع عليها التجهيزات التي تغير تصنيفها القانوني، مثل المقعد، وفق الشروط المقررة.
وتشمل قواعد الاستعمال ارتداء الخوذة الواقية المصادق عليها والمربوطة، واحترام التشوير والأسبقية، وتجنب استعمال الهاتف والسماعات أثناء القيادة، والتقيد بمجالات السير المسموح بها.
ولا يعني ذلك أن كل مركبة تباع باسم التروتينيت تستوفي شروط السير في الطريق العمومية، فالمواصفات الفعلية والتصنيف القانوني هما الأساس.
التأمين إجباري… وحماية المستهلك تبدأ قبل الحادث
يعد التأمين عن المسؤولية المدنية من الالتزامات الأساسية المرتبطة بالمركبات ذات المحرك المشمولة بالقانون. وقد أصدرت هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي دورية رقم 160649 بتاريخ 19 فبراير 2026 بشأن شهادات التأمين عن المسؤولية المدنية الخاصة بالمركبات ذات المحرك الكهربائي.
وتكمن أهمية هذا التأمين في تغطية الأضرار التي قد تلحق بالغير وفق شروط العقد والقانون، لكنه لا يعني تلقائيا تغطية إصابات السائق نفسه أو سرقة مركبته، ما لم تشملها ضمانات إضافية.
لذلك، يتعين على المستهلك التأكد من التأمين الملائم للصنف القانوني لمركبته، وعدم الاكتفاء بمجرد اقتنائها أو تشغيلها. فالتأمين مسؤولية تجاه الآخرين، كما أنه حماية من تبعات مالية قد تكون ثقيلة عند وقوع حادث.
مفارقة السوق: مركبات معتمدة وأخرى مجهولة المواصفات
تباع التروتينيت في محلات متخصصة، كما تعرض نماذج مستعملة أو مستوردة في بعض الأسواق الأسبوعية، أحيانا بأسعار مغرية، لكن من دون معلومات كافية عن حالتها التقنية أو وضعيتها القانونية.
ولا يعني كون المركبة مستعملة أنها ممنوعة، كما لا يعني انخفاض ثمنها أنها غير صالحة. غير أن المشتري مطالب بالتحقق من مطابقتها للشروط القانونية، وسلامة بطاريتها وفراملها وأضوائها، وعدم التلاعب بمحدد السرعة.
ومن حق المستهلك الحصول على معلومات صحيحة وواضحة عن المنتج، ومن واجب البائع عدم تقديم مركبة باعتبارها صالحة للسير في الطريق العمومية دون أساس يثبت ذلك.
وهنا تبرز مسؤولية المراقبة والتوعية، حتى لا يتحول اقتناء وسيلة نقل اقتصادية إلى خسارة مالية أو خطر على سلامة صاحبها والآخرين.
كما ينبغي التمييز بين التروتينيت الكهربائية والدراجة الهوائية العادية والدراجة الكهربائية ذات الدوس المساعد والدراجة المزودة بمحرك ومقعد، لأن لكل صنف تصنيفه وشروطه، ولا يصح تعميم حكم واحد عليها جميعا.
حماية السائق والراجلين مسؤولية مشتركة
لا تقتصر السلامة على حماية سائق التروتينيت من السقوط والاصطدام، بل تشمل الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة والراجلين وسائقي المركبات الأخرى.
فالسرعة غير الملائمة، والمناورات المفاجئة، وتجاهل الإشارات، والسير بطريقة تعرض الراجلين للخطر، سلوكيات لا تبررها الحاجة إلى التنقل.
وفي المقابل، فإن تحسين السلامة لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل يقتضي أيضا تهيئة فضاءات ملائمة للتنقل، وتوضيح مجالات السير المسموح بها، وتوفير المعلومة القانونية للمستعملين، مع تطبيق القواعد على الجميع.
من القانون إلى التوعية: مقترح للمجتمع المدني
تقدم الحملة التوعوية التي أُعلن عنها في عدد من البلديات الأوروبية بشأن قواعد السكوتر الكهربائي نموذجا يستحق الاستئناس به، مع مراعاة اختلاف التشريع المغربي عن الاوروبي .
ويمكن لجمعيات المجتمع المدني بطنجة، بتنسيق مع الجماعات الترابية والأمن الوطني والجهات المختصة بالسلامة الطرقية، تنظيم حملات ميدانية ورقمية، تتضمن ملصقات وفيديوهات قصيرة ورسائل مبسطة، من بينها:
ارتد الخوذة الواقية وثبتها جيدا.
احترم السرعة القانونية وإشارات المرور.
لا تستعمل الهاتف أو السماعات أثناء القيادة.
لا تنقل شخصا إضافيا على مركبة مخصصة لشخص واحد.
تحقق من سلامة الفرامل والإنارة والعواكس الضوئية.
تأكد من مطابقة المركبة للشروط القانونية ومن توفر التأمين المطلوب.
احترم الراجلين والفضاءات المخصصة لهم.
ويمكن أن تبدأ هذه المبادرة بمرحلة تحسيسية تشرح القواعد وتجيب عن أسئلة المواطنين، على أن تتكامل مع المراقبة وتطبيق القانون.
الخلاصة: لا نريد منع وسيلة النقل، بل تأمين استعمالها
إن انتشار التروتينيت في طنجة ليس مشكلة في حد ذاته، بل تحول في أنماط التنقل ينبغي مواكبته بالتنظيم والتخطيط والتوعية. أما الخطر فيكمن في المركبات غير المطابقة، والقيادة المتهورة، وضعف المعرفة بالالتزامات القانونية.
ومن ثم، فإن بناء فضاء عام آمن مسؤولية مشتركة: مستعمل يحترم القانون، وبائع يقدم منتجا مطابقا ومعلومات صحيحة، وسلطات تراقب وتطبق القواعد، وجماعات ترابية تهيئ المجال لمختلف وسائل التنقل.
فالحق في التنقل الآمن لا ينفصل عن الحق في الحماية من مخاطر الطريق. والغاية ليست التضييق على وسيلة يحتاج إليها المواطن، بل ضمان سلامته وسلامة الآخرين، حتى لا يتحول حل لمشكلة التنقل إلى مشكلة جديدة في الفضاء العام.



