السير والجولان بطنجة… نشتكي من الاختناق ونساهم في صناعته!
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من فوضى السلوك اليومي إلى رهان المواطنة الطرقية، مسؤولية مشتركة وتحد لا يقبل التأجيل في أفق 2030
لم يعد الاختناق المروري بمدينة طنجة مجرد نتيجة لعدد السيارات أو محدودية بعض الطرق والمحاور، بل أصبح مرتبطا أيضا بسلوكيات يومية نمارسها داخل الفضاء العام، ثم نشتكي من نتائجها وكأننا لا نساهم في إنتاجها.
نحن نطالب بانسيابية السير والجولان، لكننا لا نمنح الطريق بسهولة لسيارة الإسعاف، وحين نفسح لها المجال، يتبعها بعض السائقين مستغلين مرورها، وكأن أولوية مركبة الإنقاذ امتياز يمكن تقاسمه بدل احترام الغاية الإنسانية التي تبرره.
نريد طرقا منظمة، لكننا نطالب سائق سيارة الأجرة بالتوقف وفق رغبتنا، دون مراعاة شروط الوقوف والتوقف. وننتظر سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة في أماكن غير مخصصة لذلك، بينما يتوقف بعضها بدوره دون احترام علامات التشوير والمنع، غير مكترث بما قد يسببه من عرقلة لحركة السير.
وعندما تقع حادثة سير بأضرار مادية بسيطة، يتحول مكان الحادث أحيانا إلى نقطة اختناق إضافية، بسبب الإصرار على إبقاء المركبات وسط الطريق والدخول في نقاشات عقيمة، رغم أن نقل السيارات إلى مكان آمن، متى سمحت الظروف والإجراءات المعمول بها، قد يساعد على تخفيف العرقلة دون التفريط في الحقوق المرتبطة بالحادث.
وتتكرر المشاهد نفسها أمام الحضانات والمدارس الخصوصية، حيث يصر بعض الآباء على إيصال أبنائهم إلى الباب مباشرة، حتى لو تطلب الأمر التوقف في مكان غير مناسب، وكأن قطع بضعة أمتار سيرا على الأقدام أصبح عبئا لا يحتمل.
أما أمام البقال والمخبزة، فقد تتوقف السيارة في الصف الثاني، وأحيانا الثالث، لأن صاحبها يريد اقتناء غرض سريعا. دقائق قليلة بالنسبة إليه، لكنها قد تتحول إلى دقائق إضافية من الانتظار بالنسبة إلى عشرات مستعملي الطريق.
ولا تتوقف مظاهر الفوضى عند هذا الحد. فدراجات بمختلف أنواعها تعبر بعض الأنفاق رغم وجود علامات المنع، والسيارات تحتل الأرصفة التي يفترض أن تكون مخصصة للراجلين، بينما توضع المزهريات والحواجز أحيانا لمنع ركن السيارات أمام محلات أو منازل، في استعمال خاص لفضاء يفترض أن يخضع للقواعد المنظمة للملك العام.
وفي مشهد آخر، تتحول بعض الشوارع إلى فضاءات لغسل السيارات، بما يرافق ذلك من استهلاك للماء، وتراكم للأوساخ، وترك للمخلفات التي تشوه المحيط. كما تلقى الأوراق ومخلفات الأطفال في الشارع، وكأن نظافة المدينة مسؤولية جهة أخرى لا علاقة لنا بها.
الراجلون أيضا جزء من معادلة السير والجولان
لا يمكن اختزال المشكلة في السائقين وحدهم. فبعض الراجلين يعبرون الطريق دون انتباه كاف إلى حركة السير، أو يتعاملون مع ممر الراجلين باعتباره يضمن لهم العبور الفوري في جميع الظروف، دون تقدير سلامة المرور أو الانتباه إلى المركبات القادمة.
ممر الراجلين حق ووسيلة لتنظيم العبور، وليس دعوة إلى المجازفة بالحياة. واحترامه يقتضي من السائق إفساح المجال وفق القانون، وعن الراجل الانتباه إلى شروط العبور الآمن.
وفي المقابل، حين يحتل الرصيف بالسيارات أو السلع أو التجهيزات، يجبر المواطن على النزول إلى الطريق ومزاحمة المركبات، في مفارقة لا يمكن تبريرها: نطالب الراجل باحترام قواعد العبور، ثم نحرمه من المساحة المخصصة له أصلا.
القانون ليس مجرد حضور شرطي أو رادار
من السلوكيات التي تستحق الانتباه أن بعض السائقين يخففون السرعة ويحترمون التشوير عند رؤية شرطي المرور أو رادار مراقبة السرعة، ثم يعودون إلى التسابق والتجاوزات بمجرد تجاوز نقطة المراقبة.
وهذا يطرح سؤالا يتجاوز عدد المخالفات المسجلة: هل نلتزم بالقانون اقتناعا بضرورته، أم نلتزم به فقط عندما نعتقد أن أعين المراقبة تتابعنا؟
ولا يقل عن ذلك إزعاجا الإفراط في استعمال منبهات السيارات عند أدنى تأخر، بما يحول الازدحام المروري إلى مصدر إضافي للتلوث السمعي والتوتر. فالمنبه ليس وسيلة لتفريغ الغضب، ولا يمنح صاحبه أولوية في الطريق.
تحية تقدير للأمن الوطني بطنجة
نرفع القبعة لنساء ورجال الأمن الوطني بطنجة، تقديرا لجهودهم اليومية في تيسير حركة السير والجولان وتحسين انسيابيتها، رغم التحديات التي تفرضها اختلالات التخطيط والتهيئة الحضرية التي راكمتها المدينة على مدى عقود. جهود تستحق التنويه، وتظل بحاجة إلى تخطيط حضري مندمج وتعاون جماعي لترسيخ ثقافة المواطنة الطرقية.
الفضاء العام ليس ملكية خاصة
المسؤولية لا تقع على المواطنين وحدهم. فحافلات النقل العمومي تحتاج إلى ظروف تضمن انسيابية حركتها واحترام مستعملي الطريق لها، كما أن شركات التوزيع والنظافة وأوراش البناء مطالبة بمراعاة شروط استغلال الفضاء العام، وتوقيت الأشغال والتحميل والتفريغ، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من العرقلة، خصوصا خلال ساعات الذروة.
كما أن احتلال الشوارع أو الأرصفة أو إغلاق أجزاء منها لأغراض تجارية أو عقارية أو مرتبطة بالأشغال، ينبغي أن يخضع للتراخيص والشروط القانونية، مع مراقبة فعلية لمدى احترامها. فالملك العام ليس مساحة مفتوحة للتصرف وفق مزاج المنعش العقاري أو الشركة أو صاحب المحل.
وتبقى فوضى بعض سيارات نقل العمال والنقل المزدوج والنقل غير القانوني، حيثما ثبتت مخالفته للقواعد المنظمة، من الملفات التي تستدعي معالجة ميدانية مستمرة، لا الاكتفاء بالتشخيص أو الحملات الظرفية.
إن تشديد المراقبة وتطبيق المخالفات والمتابعات القانونية عند الاقتضاء ضروريان، لكنهما لا يكفيان وحدهما لتغيير السلوك. فالمطلوب مقاربة مندمجة تجمع بين إنفاذ القانون، وتحسين تدبير حركة السير، وتوفير فضاءات مناسبة للتوقف والركن والتحميل والتفريغ، وتنظيم الأشغال، وحماية الأرصفة وممرات الراجلين.
وتبدأ هذه المقاربة من المدرسة، عبر ترسيخ التربية على المواطنة واحترام القانون والملك العام، مرورا بالأسرة والإعلام، وصولا إلى التكوين والتحسيس بالسياقة المواطنة، التي تجعل سلامة الآخرين وحقهم في الطريق جزءا من مسؤولية كل مستعمل.
فالمواطنة الطرقية ليست مجرد معرفة بعلامات التشوير، بل سلوك يومي يترجم احترام حق الآخر في المرور، وحق الراجل في رصيف آمن، وحق المريض في وصول سيارة الإسعاف، وحق السكان في بيئة أقل ضجيجا وتلوثا.
طنجة في أفق 2030: التحدي يبدأ من السلوك اليومي
مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بأفق 2030، تبرز الحاجة إلى النظر إلى السير والجولان باعتباره تحديا حضريا ومجتمعيا متكاملا، لا مجرد ملف تقني تتولاه المصالح المختصة وحدها.
فطموح مدينة منظمة وقادرة على استقبال التظاهرات الكبرى لا يتحقق بتطوير البنية التحتية وحدها، بل يحتاج أيضا إلى مواطن يحترم القانون، ومؤسسات تضمن تطبيقه، وتدبير عقلاني للفضاء العام، ومراقبة مستمرة لا ترتبط بظرف معين.
والرسالة الأساسية واضحة: لا يمكن أن نشتكي جميعا من الاختناق المروري، ثم نعتبر كل مخالفة صغيرة نرتكبها أمرا عاديا لا يستحق الانتباه. فالفوضى لا يصنعها دائما قرار كبير، قد تبدأ بتوقف عشوائي لدقيقتين، أو ركن فوق الرصيف، أو استعمال مفرط للمنبه، ثم تتراكم هذه السلوكيات لتصبح مشكلة جماعية.
طنجة التي نطمح إليها في 2030 تبدأ من سلوكنا اليوم، لأن احترام القانون لا ينبغي أن يكون استثناءا تفرضه المراقبة، بل ثقافة يومية تحمي حق الجميع في الطريق.



