المنزلة وجبل الحبيب… حين تستنطق الأرض ذاكرة التاريخ
بقلم : الحداد حسن المنزلي
خرجة ميدانية لجمعية طنجة بين الأمس واليوم، تحولت إلى سفر عبر الزمن لاكتشاف تاريخ الإنسان والمكان، وإبراز مؤهلات المنطقة، وطرح الحاجة إلى صون تراثها المادي واللامادي.
ليست كل الرحلات مجرد انتقال بين الأمكنة، فبعضها سفر في الزمن ونبش في الذاكرة ومحاولة لاستنطاق الأرض والإنسان والعمران. وهذا ما جسدته الخرجة العلمية والتاريخية والترفيهية التي نظمتها جمعية طنجة بين الأمس واليوم، يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، إلى جماعة المنزلة وجبل الحبيب ونواحيهما، بمشاركة أزيد من أربعين عضوا وعضوة.
من مركز جماعة المنزلة، امتدت الجولة إلى دار الفلاق، حيث الإطلالة على سهل مرج قمر، الذي يحتضن اليوم سد 9 أبريل. وتبرز في المشهد قمة حوش بن قريعة، بارتفاع 643 مترا عن سطح البحر، وقمة سيدي المنصار بارتفاع 391 مترا، وسط غطاء غابوي تشكل فيه غابة سيدي المنصار 46 في المائة من الغطاء الغابوي بالإقليم، وتعد أكبر غابة به.

وشملت الجولة مركز جبل الحبيب و سوقها الاسبوعي التاريخي ، حيث ما تبقى من ورشات صناعة البلغة ونسج الأقمشة الصوفية، إلى جانب محطات أخرى، من بينها تازروتان وأطلال ضريح سيدي الزهيري. وقد كشفت هذه المحطات عن غنى طبيعي وتاريخي وثقافي يستحق مزيدا من البحث والتعريف.
تاريخ عريق وذاكرة تنتظر التوثيق
بفضل مساهمات أبناء المنطقة، الحداد حسن والحداد خليل ومحمد ياسين أخديم ومحمد الدحداح، تعرف المشاركون على جوانب من التاريخ والجغرافيا والواقع الاجتماعي والسكاني والإداري للمنزلة وجبل الحبيب، وعلى رصيدهما التراثي ومؤهلاتهما الطبيعية والاقتصادية، فضلا عن أهم الأعراف والتقاليد المحلية. وقد أسهمت الشروحات الميدانية في تقريب صورة متكاملة عن الإنسان والمجال، واستحضار ذاكرة محلية غنية تستحق مزيدا من البحث والتوثيق.
وعكست انطباعات عدد من المشاركين مفارقة لافتة:
اكتشاف جوانب من تاريخ منطقة قريبة من طنجة، لكنها لا تزال بعيدة عن المعرفة العامة.
فتاريخ المنطقة يستدعي البحث في تعاقب الحضارات والتحولات التي عرفها شمال المغرب، من الوجود الإغريقي والروماني، مرورا بالفتوحات الإسلامية والمرحلة الأندلسية، وصولا إلى تاريخ طنجة قبل سقوطها وبعده، ثم عهد الحماية ومقاومة الاستعمار. كما تشكل مساجد المنطقة ومدارسها الفقهية، وما ارتبط بها من علماء وشيوخ، إلى جانب تجمعاتها السكنية وحرفها التقليدية وغاباتها وأنهارها وسهولها، رصيدا مهما لفهم علاقة الإنسان بمجاله عبر الزمن.

من الاكتشاف إلى صون التراث
إن ما تزخر به مناطق جبالة من تراث مادي ولامادي يطرح الحاجة إلى اهتمام أكبر من الباحثين والمؤرخين والجامعات والجهات المعنية بالثقافة. كما يبرز أهمية إحداث دار للتراث الجبلي، تجمع الروايات الشفوية والشهادات والصور والوثائق، وتعمل على توثيقها وترتيبها وتنقيحها، وحفظ الذاكرة المحلية والتعريف بمؤهلات المنطقة، بشراكة بين المؤسسات العلمية والجمعيات وأبناء المنطقة.
ويحسب لجمعية طنجة بين الأمس واليوم، بمكتبها ومنخرطيها، تنظيم هذه المبادرة التي جعلت من المعرفة الميدانية جسرا بين الناس والأمكنة. كما يستحق المؤطرون التنويه بما قدموه من معلومات وشروحات قربت المشاركين من تاريخ المنطقة. لقد فتحوا أمامهم أبواب التاريخ، وكان الجميع ضيفا عنده.
إن غنى المغرب التاريخي لا يقتصر على المدن الكبرى ومعالمها الشهيرة، بل يمتد إلى مجالات جبلية وقروية تختزن ذاكرة الإنسان وتحولات المجتمع. والمطلوب اليوم هو الانتقال من الاكتشاف إلى التوثيق، ومن الاعتزاز بالتراث إلى حمايته وتثمينه، حتى تنال المنزلة وجبل الحبيب وسائر مناطق جبالة مكانتها المستحقة في كتابة تاريخ شمال المغرب.




