ميزانية 2027… هل تنهي حكومة المنصوري سنوات العجاف وتعيد الأمل إلى جيوب المغاربة؟
بقلم: الحداد حسن المنزلي
إعفاءات ضريبية وتحسينات اجتماعية مرتقبة، لكن المنصوري ولقجع كانا ضمن الحكومة السابقة: ما الذي سيتغير هذه المرة؟ وهل تملك الحكومة الجديدة عصا سحرية لإنهاء سنوات الغلاء؟
لسنا في حاجة إلى أن نكون خبراء في الاقتصاد والمالية حتى نقرأ مشروع قانون المالية لسنة 2027، فالمواطن يقرأ الميزانية من زاوية بسيطة ومباشرة: ماذا سيتغير في حياته اليومية؟ وهل ستنعكس الإجراءات المعلنة على قدرته الشرائية، بعد سنوات أثقل فيها الغلاء كاهل الأسر المغربية بمختلف فئاتها؟
من هذا المنطلق، لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام وتوقعات مالية، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على تخفيف الضغط عن ميزانية الأسرة، وتحويل الوعود والإجراءات المعلنة إلى نتائج ملموسة في الأسواق وفي الحياة اليومية.
تتضمن التدابير المعلن عنها ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءات ذات طابع ضريبي واجتماعي، من بينها إعفاء الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم من الضريبة على الدخل، إلى جانب تدابير تستهدف تحسين أوضاع المتقاعدين والأرامل، وتعزيز الدعم الاجتماعي، ومراجعة بعض المعايير المرتبطة بالاستفادة من التغطية الصحية، فضلا عن محاربة تعدد الوسطاء والممارسات التي تثقل كاهل المواطنين.
وهي إجراءات تكتسي أهمية اجتماعية، لكن أثرها الفعلي سيظل مرتبطا بتفاصيل تنزيلها، وبمدى وصولها إلى الفئات المستهدفة، وقدرتها على تحسين الدخل المتاح للأسر في مواجهة تكاليف المعيشة.
فالمواطن لا يقيس نجاح الميزانية بعدد التدابير المعلنة، بل بما يلمسه من تحسن في قدرته على تلبية حاجياته الأساسية، دون أن يضطر إلى التضحية بمتطلبات الصحة والتعليم والسكن من أجل توفير مصاريف الغذاء والتنقل.
الغلاء لم يعد يميز بين الفئات
لم تعد شكاوى ارتفاع الأسعار مقتصرة على الأسر محدودة الدخل، بل امتدت إلى الموظفين والأجراء والإداريين والتجار والطبقة المتوسطة، التي تجد نفسها بدورها أمام معادلة صعبة بين دخلها والتزاماتها اليومية.
فالمازوط تجاوز 15 درهما للتر، واللحوم الحمراء تعرض بأسعار تناهز 140 درهما للكيلوغرام في بعض الحالات، فيما بلغ سعر الدجاج، وفق الأسعار المتداولة التي يلمسها المستهلك، نحو 25 درهما للكيلوغرام. أما الخضر والفواكه والأسماك، فتظل أسعارها بدورها موضع شكاوى متكررة من المواطنين.
هذه الأرقام، وإن كانت تختلف بحسب المكان والفترة وجودة المنتوج، تعكس حجم الضغط الذي يشعر به المستهلك في حياته اليومية. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بسلعة واحدة، بل بتراكم تكاليف الغذاء والنقل والخدمات الأساسية، في مقابل مداخيل لا تتحسن بالوتيرة نفسها.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام الحكومة لا يقتصر على تحسين بعض المؤشرات الاقتصادية، بل يشمل استعادة التوازن بين المداخيل والنفقات، وتعزيز القدرة الشرائية بما يضمن للمواطن العيش بكرامة.
خلال الحملات الانتخابية، أثار موضوع أسعار المحروقات نقاشا واسعا لدى أحزاب من الأغلبية والمعارضة على حد سواء. غير أن انتهاء الحملات وبداية التدبير الحكومي يضعان الجميع أمام سؤال عملي: ما التدابير التي يمكن اتخاذها لحماية القدرة الشرائية من تقلبات أسعار المحروقات وانعكاساتها على النقل والإنتاج وتوزيع المواد الأساسية؟
فارتفاع كلفة المحروقات لا يتوقف عند محطة الوقود، بل يمكن أن يمتد أثره إلى كلفة نقل السلع وأسعار عدد من المنتجات والخدمات. لذلك، فإن معالجة هذا الملف تقتضي وضوحا في الخيارات، وشفافية في تفسير تطورات الأسعار، وتقييما مستمرا لمدى انعكاسها على المستهلك.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بحلول سحرية تتجاهل تعقيدات الأسواق الدولية، بل بانتظار سياسة واضحة تشرح للمواطن حدود تدخل الدولة، والإجراءات الممكنة للتخفيف من آثار التقلبات، وكيفية ضمان منافسة سليمة وحماية المستهلك من الاختلالات.
الأرقام مهمة، لكن الموسم الفلاحي له كلمته.
لا يمكن قراءة آفاق القدرة الشرائية بمعزل عن السياق الاقتصادي العام. فالتوترات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق الدولية، وأسعار الطاقة، وسعر صرف الدرهم مقابل العملات الأجنبية، كلها عوامل قد تؤثر في كلفة الاستيراد والإنتاج، وبالتالي في الأسعار التي يؤديها المستهلك.
كما أن تحسين الإنتاج الوطني وتنويعه، وتقوية سلاسل التوزيع، والحد من تعدد الوسطاء غير الضروريين، عناصر يمكن أن تسهم في تعزيز العرض والتخفيف من الضغوط على الأسعار.
ويظل الموسم الفلاحي بدوره عاملا مهما، إذ يمكن للتساقطات المطرية أن تدعم الإنتاج الزراعي وتحسن عرض بعض المنتجات،
غير أن انعكاس التساقطات المطرية على أسعار المنتجات الفلاحية يظل مرتبطا أيضا بتكاليف الإنتاج وظروف التسويق وتطور العرض والطلب في الأسواق
وبالتالي، لا يكفي أن تتحسن المؤشرات الاقتصادية أو أن يكون الموسم المطري جيدا حتى يشعر المواطن تلقائيا بانفراج في الأسعار. المطلوب هو أن تتحول الظروف الإيجابية، متى توفرت، إلى مكاسب فعلية للمستهلك، وأن تواكبها سياسات عمومية تضمن توزيعا أكثر إنصافا لثمار النمو.
من سنوات عجاف إلى سنوات سمان؟
هنا يبرز سؤال سياسي واقتصادي لا يمكن تجاوزه: هل ستكون ميزانية 2027 بداية مرحلة جديدة، أم استمرارا للمسار نفسه مع تعديلات محدودة؟
فرئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري، وفوزي لقجع الذي قدم التوجهات المالية، كانا ضمن الفريق الحكومي السابق. وهذا المعطى لا يحسم مسبقا في نتائج المرحلة المقبلة، لكنه يجعل من حق المواطن أن يتساءل عما سيتغير في المقاربة والأولويات وآليات التنفيذ.
فلا أحد ينتظر من الحكومة أن تملك عصا سحرية تمحو آثار سنوات من الغلاء بين عشية وضحاها، لكن من حق المغاربة أن ينتظروا إجراءات واضحة، وأهدافا قابلة للتقييم، ونتائج ملموسة تتجاوز التصريحات والأرقام الإجمالية.
كما أن نجاح أي ميزانية لا يقاس فقط بتوازناتها المالية أو بمعدلات النمو، بل بقدرتها على تحسين ظروف العيش، وتوسيع فرص الشغل، وحماية الفئات الهشة، وصون الطبقة المتوسطة من مزيد من التآكل، وضمان استفادة مختلف المجالات الترابية من ثمار التنمية.
2030… فرحة المونديال تبدأ من الحياة اليومية
نتمنى أن تكون سنة 2027 بداية الخروج من سنوات عجاف، وأن تحمل السنوات المقبلة بشائر الرخاء والاستقرار، حتى نستقبل، بحول الله، مونديال 2030 فوق أرض وطننا، ونحن أقل انشغالا بهموم القفة وغلاء المعيشة وأسعار المحروقات وتكاليف الصحة والتعليم.
نريد أن تكون فرحة المونديال فرحة وطن ومواطن، في أجواء من الطمأنينة والسلم والعيش الكريم، وأن يجد المغاربة جميعا، بمختلف فئاتهم، نصيبهم من ثمار التنمية. فهل تكون السنوات المقبلة سنوات سمان، تكتمل فيها فرحة المغرب بفرحة المواطن؟
نتمنى أن تنتهي سنوات العجاف، وأن تكون السنوات المقبلة سنوات سمان، يجد فيها المغاربة أثر السياسات العمومية في جيوبهم وحياتهم اليومية، لا في الأرقام والتقديرات وحدها.



