مكتبة عبد الله كنون بطنجة.. هل تلاحق لعنة الإهمال ذاكرة المدينة؟
بقلم: الحداد حسن المنزلي
بعد ضياع إرث دوق دو طوفار من الذاكرة الجماعية، هل تعيش طنجة العد العكسي لفقدان إرث العلامة عبد الله كنون، بينما تقترب أشغال الترميم من نهايتها ويظل مصير التجهيز وإعادة فتح المكتبة معلقا؟
في مدينة تتحدث عن الاستدامة والذكاء الحضري والارتقاء إلى مصاف الحواضر الكبرى، ما زالت مكتبة العلامة والفقيه عبد الله كنون مغلقة منذ أكثر من خمس سنوات. والأخطر أن الأمر لا يتعلق بتأخر إعادة فتح بناية تاريخية فحسب، بل بمصير رصيد علمي وثقافي ثمين نقل مؤقتا إلى دار العلامة بالقصبة، على أساس أن أشغال الترميم لن تستغرق سوى بضعة أشهر.
لكن الأشهر امتدت إلى سنوات، فيما يطرح مكان الحفظ المؤقت، بحسب المعطيات المتوفرة، تساؤلات جدية بشأن مدى ملاءمته لصون إرث بهذا الحجم والقيمة، خاصة في ظل الظروف المناخية والرطوبة التي تستوجب احتياطات دقيقة لحماية المخطوطات والكتب والوثائق. ولا يتعلق الأمر بالجزم بوقوع تلف، بل بضرورة تقييم ظروف الحفظ والتحرك العاجل لتفادي أي أضرار محتملة.
فإرث عبد الله كنون ليس مجرد رصيد من الكتب والمخطوطات والوثائق، بل هو بمثابة وصية علمية وثقافية تركها للأجيال، وأمانة تقتضي صونها وحمايتها وإتاحتها للباحثين والطلبة، حتى تظل حاضرة في ذاكرة المدينة وحياتها الثقافية.
من إرث دوق دو طوفار إلى إرث عبد الله كنون.. هل نكرر الأخطاء نفسها؟
تستحضر هذه القضية تجربة إرث دوق دو طوفار الثمين والنفيس، الذي غاب عن الذاكرة الجماعية لطنجة، إلى درجة أن أجيالا من أبنائها باتت لا تعرف عنه إلا القليل، كمستودع الأموات التابع لمستشفى الدوق دو طوفار بطنجة.
فإرث دوق دو طوفار هو الآخر وصية تاريخية وثقافية، لم ينل ما يستحقه من صيانة وتعريف وحضور في الذاكرة الجماعية للمدينة. وهي تجربة ينبغي أن نستحضرها لا من باب استعادة الماضي فحسب، بل لاستخلاص الدروس وتفادي تكرار المسار نفسه مع إرث العلامة عبد الله كنون.
واليوم، يبدو أن المدينة مطالبة باستيعاب دروس الماضي قبل أن تجد نفسها أمام خسارة جديدة. فنحن لا نتحدث عن كتب يمكن تعويضها بسهولة، بل عن ذاكرة علمية وثقافية مرتبطة بأحد أبرز رموز طنجة والمغرب، الفقيه والعلامة عبد الله كنون، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدينة الثقافي والإداري، وكان:
• وزيرا للعدل: في الحكومة الخليفية بتطوان (1954 – 1956).
• عاملا (محافظا) على مدينة طنجة: (1956 – 1958).
• عضو مجلس الوصاية: سنة 1980، بالإضافة إلى عدة مناصب علمية ودينية.
فهل أصبح الإهمال قدرا يلاحق ذاكرة طنجة، أم أن ما تبقى من الوقت يكفي لإنقاذ هذا الإرث قبل فوات الأوان؟
خمس سنوات من الأشغال.. وماذا بعد الترميم؟
انطلقت الشراكة في يوليوز 2021 بغلاف مالي قدره 6.15 ملايين درهم، خصص منها 4.76 ملايين درهم للأشغال و1.39 مليون درهم للتجهيز والرقمنة.
غير أن الحالة الإنشائية للبناية استدعت تدخلا أوسع مما كان متوقعا، فجرى توجيه الاعتمادات المالية إلى أشغال التقوية والتأهيل، وتأجلت مرحلة التجهيز.
وفي صيف 2026، طرح طلب عروض جديد بقيمة تقديرية تقارب 1.48 مليون درهم لاستكمال أشغال التهيئة والتجهيز الداخلي، كما أُضيفت وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في عمالات وأقاليم الشمال بالمملكة إلى الأطراف المعنية بموجب الملحق رقم 1 لاتفاقية الشراكة.
وحسب المعطيات المتوفرة، بات استكمال الأشغال الكبرى والصغرى مسألة وقت قد لا يتجاوز شهرين. لكن انتهاء الأشغال لا يعني بالضرورة أن المكتبة أصبحت جاهزة لاستقبال روادها، فالتجهيزات المتخصصة تتطلب تمويلا ودراسات وتصاميم ومعدات ملائمة لطبيعة هذا المرفق.
وهنا يبرز السؤال الحارق: هل توجد إرادة عملية لتسريع هذه المرحلة، أم سندخل في دوامة جديدة من الاتفاقيات والمساطر وانتظار الاعتمادات؟ وهل سنضطر إلى انتظار ميزانية 2028، أم ستعبأ الإمكانات المتاحة للبحث عن شركاء جدد وتدارك ما ضاع من الزمن؟
أين موقع جماعة طنجة وباقي الشركاء؟
من حق الرأي العام أن يتساءل عن أسباب غياب جماعة طنجة عن اتفاقية الشراكة الأصلية، وعن إمكانية مساهمتها اليوم في استكمال هذا الورش الثقافي، خاصة أن حماية الذاكرة المحلية وتأهيل المرافق الثقافية يستحقان تعبئة مختلف المؤسسات.
ولا يتعلق الأمر بتوجيه الاتهام إلى جهة بعينها، بل بتحديد المسؤوليات وتنسيق الجهود، حتى لا تتحول تعددية المتدخلين إلى مبرر لاستمرار الانتظار.
وإذا تعذر توفير التمويل عبر الشراكات القائمة، فلماذا لا يبحث عن شركاء جدد أو آليات دعم أخرى، بما فيها مبادرة مجتمعية شفافة وتحت إشراف الجهات المختصة؟ إن قيمة هذا الإرث تفرض البحث عن حلول عملية، لا الاكتفاء بتبادل الاختصاصات وانتظار الفرص المالية المقبلة.
رصيد علمي ثمين في انتظار الإنقاذ
بحسب المعطيات المتداولة، تضم المكتبة نحو ثلاثة آلاف مخطوط ومئة ألف كتاب، فضلا عن الجرائد والمجلات والدوريات والوثائق. وهو رصيد لا تقتصر أهميته على قيمته المادية، بل تمتد إلى ما يمثله من ذاكرة علمية وفقهية وثقافية، وإلى ما يمكن أن يوفره للباحثين والطلبة والأجيال المقبلة.
إن استمرار إغلاق المكتبة، مع بقاء هذا الرصيد بعيدا عن فضائه الطبيعي، يطرح مسؤولية جماعية تتجاوز ترميم الجدران إلى ضمان شروط الحفظ، واستعادة الوظيفة العلمية والثقافية للمؤسسة.
فلا معنى لترميم بناية تاريخية إذا ظل الإرث الذي أُنشئت لحفظه ينتظر التجهيز، ولا جدوى من الحديث عن مدينة ذكية ومستدامة إذا بقيت إحدى معالمها الثقافية رهينة التأجيل.
تراث عبد الله كنون يستغيث
إن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالا محرجا على مختلف القائمين على تدبير الشأن العام بطنجة: هل أصبح الشأن الثقافي وصيانة التراث المكتوب خارج دائرة الأولويات، في مدينة تتسابق فيها المشاريع العمرانية والإسمنتية وتتزايد فيها الاستثمارات؟ وكيف يمكن الحديث عن مدينة ذكية ومستدامة وعصرية، بينما تعجز الجهود المشتركة عن استكمال تجهيز مكتبة تحفظ ذاكرة أحد أبرز أعلامها؟
إن الرهان على طنجة الكبرى الثقافية لا ينبغي أن يظل مجرد شعار أو طموح معلن، بل يفترض أن يترجم إلى عناية فعلية بمؤسساتها الثقافية وذاكرتها العلمية. ومن هنا تبرز المفارقة: كيف نطمح إلى مدينة ذات إشعاع ثقافي وحضاري، بينما لا تزال مكتبة أحد أبرز أعلامها تنتظر استكمال تجهيزها؟
فالثقافة لا تختزل في المهرجانات والتظاهرات الموسمية، على أهمية هذه الأخيرة، بل تقوم أيضا على المكتبات والمؤسسات العلمية والفضاءات المعرفية التي تحفظ ذاكرة المدينة وتضمن انتقالها بين الأجيال.
إن التنمية لا تقاس فقط بضخامة المباني والمشاريع، بل أيضا بقدرة المدينة على صون ذاكرتها وحماية رصيدها المعرفي. لذلك، يجب أن ينتقل ملف مكتبة عبد الله كنون من دائرة الانتظار إلى دائرة الأولويات المستعجلة، عبر تحديد آجال واضحة للتجهيز وإعادة الفتح، وضمان شروط الحفظ الملائمة للرصيد الوثائقي، وتعبئة جميع المتدخلين لتحمل مسؤولياتهم.
لقد دفعت طنجة ثمنا باهظا من ذاكرتها حين غاب إرث دوق دو طوفار عن الوعي الجماعي. فهل نترك التاريخ يعيد نفسه مع إرث عبد الله كنون؟
إنها لحظة تستوجب التحرك، لا لتبادل اللوم، بل لتحمل المسؤولية قبل فوات الأوان. فالكتب والمخطوطات لا تنتظر، والطلبة والباحثون لا ينتظرون، والتراث لا تحميه النيات وحدها.
تراث عبد الله كنون وصية للأجيال، وإرث دوق دو طوفار درس من ذاكرة المدينة. فهل نفي هذه المرة بالأمانة، وننقذ ذاكرة طنجة قبل أن تتحول خسارة الأمس إلى ندم جديد؟



