تراخيص المراقبة التقنية.. هل يطيل وزير النقل تجميد 30 مليار سنتيم ويُبقي أكثر من ألف مستثمر في قاعة الانتظار؟
بعد مرور أشهر طويلة على إطلاق طلب المنافسة الخاص بإحداث واستغلال مراكز جديدة للمراقبة التقنية للمركبات، عاد الملف إلى الواجهة من جديد وسط تزايد تساؤلات المستثمرين بشأن ما يعتبرونه بطئاً غير مبرر في الحسم في مصير مشاريعهم، في وقت لا تزال فيه ضمانات مالية ضخمة تقدر بحوالي 30 مليار سنتيم مجمدة في انتظار الإعلان عن النتائج النهائية.
ويتعلق الأمر بطلب المنافسة رقم 01/و.و.س.ط/2025 الذي أطلقته الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية لإحداث 240 مركزاً جديداً للمراقبة التقنية عبر مختلف جهات المملكة، منها 201 مركز مخصص للمركبات الخفيفة و39 مركزاً للمركبات الخفيفة والثقيلة، في إطار توسيع شبكة الفحص التقني وتعزيز السلامة الطرقية.
غير أن هذا المشروع الاستثماري الكبير تحول بالنسبة لأكثر من ألف مستثمر إلى حالة من الترقب والانتظار، بعدما أعلنت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، في بلاغ رسمي صادر بتاريخ 18 مارس 2026، عن تمديد مدة دراسة الملفات إلى ما بعد الأجل القانوني المحدد في 120 يوماً، بسبب العدد الكبير للطلبات المتوصل بها.
ومنذ ذلك التاريخ، لا تزال الأسئلة مطروحة حول مآل هذه الملفات، دون صدور أي إعلان رسمي يحدد بدقة المرحلة التي بلغتها عملية الدراسة أو الموعد المرتقب للإعلان عن النتائج النهائية.
وفي الوقت الذي بررت فيه الوكالة قرار التمديد بضرورة دراسة الملفات بالقدر المطلوب من الدقة والشفافية، يرى عدد من المستثمرين أن طول مدة الانتظار بات يثير القلق، خاصة في ظل غياب معطيات تفصيلية حول تقدم المسطرة، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول مسؤولية وزارة النقل واللوجستيك في تسريع هذا الملف وإنهاء حالة الترقب التي يعيشها المتنافسون.
وكان البلاغ الرسمي قد فتح المجال أمام الشركات التي لم تعد ترغب في الاستمرار في المنافسة لسحب ملفاتها، وحدد يوم 2 أبريل 2026 كآخر أجل لإيداع طلبات الانسحاب، بينما أكدت الوكالة أن باقي الملفات ستواصل مسار الدراسة وفق المقتضيات المنصوص عليها في دفتر المنافسة.
لكن الإشكال لا يرتبط فقط بتأخر النتائج، بل يمتد إلى الجانب المالي أيضاً، إذ ألزم دفتر التحملات جميع المترشحين بإيداع ضمانة مؤقتة بقيمة 300 ألف درهم عن كل مشروع. ومع العدد الكبير من الملفات المودعة، تشير تقديرات متداولة إلى أن مجموع هذه الضمانات يتجاوز 300 مليون درهم، أي ما يعادل نحو 30 مليار سنتيم، وهي أموال لا تزال مجمدة إلى حين انتهاء المسطرة.
ويعتبر متتبعون أن استمرار تجميد هذه المبالغ لفترة طويلة يطرح إشكالية حقيقية بالنسبة لعدد من المستثمرين، خاصة أولئك الذين تقدموا بأكثر من طلب، والذين يجدون أنفسهم غير قادرين على توظيف هذه السيولة في مشاريع أخرى إلى حين اتضاح الرؤية.
ويطرح هذا الوضع مفارقة لافتة، فبينما ترفع الحكومة ووزارة النقل شعارات تشجيع الاستثمار وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع وخلق فرص الشغل، يجد مئات المستثمرين أنفسهم عالقين في مسطرة إدارية مفتوحة زمنياً، دون معرفة تاريخ الحسم أو مصير استثماراتهم.
كما تلوح في الأفق نقطة أخرى قد تثير اهتمام المتنافسين، وتتعلق بحالات التساوي بين الملفات المقبولة. فالمادة 15 من نظام الاستشارة تنص على إمكانية اللجوء إلى القرعة للفصل بين الملفات التي تحصل على النتائج نفسها بعد استكمال شروط الانتقاء.
وفي حال الوصول إلى هذه المرحلة، يطالب عدد من المهتمين بإعلان مسبق وواضح عن تاريخ إجراء القرعة ومكانها وكيفية تنظيمها، مع تمكين المعنيين من متابعتها، ضماناً لأقصى درجات الشفافية وتكافؤ الفرص.
ولا يتعلق الأمر بتوجيه اتهامات أو التشكيك في نزاهة المسطرة، إذ لا توجد معطيات رسمية تشير إلى وجود اختلالات في معالجة الملفات، غير أن طول مدة الانتظار وغياب التواصل المنتظم حول تقدم الدراسة يفتحان الباب أمام التأويلات ويغذيان حالة القلق لدى المستثمرين.
واليوم، لا يبدو أن أصحاب الملفات يطالبون سوى بمعرفة أين وصلت مسطرة دراسة الطلبات، ومتى سيتم الإعلان عن النتائج النهائية، وما هو الجدول الزمني المتبقي للحسم في هذا الورش الاستثماري الكبير.
فأمام أكثر من ألف مستثمر ينتظرون القرار النهائي، وضمانات مالية تناهز 30 مليار سنتيم ما زالت مجمدة، يبقى السؤال موجهاً إلى وزير النقل واللوجستيك قبل غيره: إلى متى سيستمر هذا التأخير، ومتى ستخرج تراخيص مراكز المراقبة التقنية من دائرة الانتظار إلى مرحلة الحسم النهائي؟



