18 أو 20 ألف درهم للعيش في طنجة سنة 2028؟.. من يحمي المستهلك من الأرقام؟
بقلم : الحداد حسن المنزلي
كلفة المعيشة لا تحددها الأسعار وحدها، بل الدخل والتضخم والميزانية والحوار الاجتماعي.. ورقم واحد لا يمكن أن يمثل كل أسر طنجة.
تقدير متداول يضع كلفة العيش في طنجة سنة 2028 بين 18 و20 ألف درهم شهريا. الرقم يستحق النقاش، ليس لأنه بالضرورة خاطئ، وإنما لأن السؤال الأهم هو: من هي الأسرة التي يمثلها؟
فالاعتماد على بيانات منصة مفتوحة مثل «نومبيو» قد يوفر مؤشرات تقريبية لبعض الأسعار، لكنه لا يعوض بحثا ميدانيا بعينة متنوعة تراعي عدد أفراد الأسرة، ومستوى دخلها، ومهنتها، ووضعها السكني، ونمط إنفاقها.
20 ألف درهم.. ولكن لأي أسرة؟
أسرة بدخل واحد ليست كأسرة بدخلين، والمكتري ليس كمالك المسكن، كما تختلف النفقات بحسب عدد أفراد الأسرة والتعليم والنقل والصحة وغيرها.
والأهم أن الحديث عن «العيش المريح» لا يمكن أن ينفصل عن الدخل.
فطنجة مدينة صناعية وخدماتية، وتضم شريحة واسعة من الأجراء ذوي الأجور المحدودة، ويرتبط جزء مهم من مداخيلهم بالحد الأدنى للأجور. لذلك، كيف يمكن تحديد كلفة العيش المريح سنة 2028 من دون تحديد مستوى الدخل الذي ستواجه به الأسر تلك الكلفة؟
فالسعر وحده لا يقول لنا شيئا عن القدرة على تحمله.
2028 ليست مجرد معادلة أسعار،
تقدير كلفة المعيشة بعد عامين يحتاج إلى وضع الأسعار والدخل في معادلة واحدة.
فالتضخم يتأثر بأسعار الطاقة والغذاء عالميا، والأزمات الجيوسياسية، وأسعار الصرف، والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، إضافة إلى الميزانية العامة ومخرجات الحوار الاجتماعي وما قد يترتب عنها من تطورات في الأجور والقدرة الشرائية.
وفي المقابل، تعرف طنجة دينامية استثمارية وصناعية ولوجستيكية وسياحية متصاعدة، مع تحولات مرتبطة أيضا بالاستحقاقات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
وقد تعني هذه التحولات مزيدا من فرص الشغل والدخل، لكنها قد تعني أيضا ارتفاع الطلب على السكن والخدمات وبعض الأسعار.
الرقم حين يدخل المجال السياسي،
ليس المقصود المزايدة على الدراسة أو التشكيك في نوايا أصحابها، وإنما التنبيه إلى أن تعميم سقف تقديري للدخل أو لكلفة العيش سنة 2028 له أبعاد اجتماعية وسياسية، خصوصا أن الدراسة خرجت إلى العموم ونحن على أبواب الاستحقاقات البرلمانية.
لذلك، تحتاج مثل هذه التقديرات إلى قراءة اقتصادية واجتماعية مستقلة ومحايدة، حتى لا يتحول رقم تقديري إلى مرجع عام لقياس مستوى عيش سكان مدينة كاملة.
فالأرقام المتعلقة بالأسعار والأجور والقدرة الشرائية لا تبقى داخل الجداول. عندما تصل إلى الرأي العام، فإنها تدخل في تشكيل توقعاته وانتظاراته الاجتماعية، وقد تؤثر في درجة الرضا أو الاحتقان، بحسب طريقة تقديمها وتفسيرها.
من يحمي المستهلك من الأرقام؟
حماية المستهلك لا تعني فقط حمايته من السعر المرتفع، وإنما أيضا تمكينه من معلومة دقيقة وواضحة وشفافة.
ومن حق المواطن أن يعرف كيف احتسب رقم 18 أو 20 ألف درهم، وما الفئة التي يمثلها، وما مستوى الدخل المفترض، وما المتغيرات التي يمكن أن تجعله أعلى أو أقل.
فالأفضل أن تقدم مثل هذه التقديرات في شكل سيناريوهات متعددة، تراعي اختلاف الأسر والدخل وتطور الأسعار والأجور.
هل ستحتاج الأسرة الطنجاوية إلى 20 ألف درهم سنة 2028؟
بل: أي أسرة؟ وبأي دخل؟ وبأي أسعار؟
لأن كلفة المعيشة لا تقاس بما تنفقه الأسرة فقط، وإنما بما تكسبه أيضا، وما يتبقى لها بعد أداء نفقاتها الأساسية.
فالرقم لا يصبح حقيقة اجتماعية لمجرد أنه دقيق حسابيا، قيمته تبدأ من معرفة من يمثل، وعلى أي دخل بني، وكيف احتسب.


