في زمن صراعات السياسة… وجد عبد الإله الأمل في إسبانيا
بقلم : الحداد حسن المنزلي
من حراك 20 فبراير والانتخابات إلى 11 عاما من الدياليز… قصة شاب مغربي تضع الإنسان فوق صراعات السياسة.
أحيانا تكفي صورة واحدة لتختصر سنوات من الألم، وتخبرنا أن الأمل يمكن أن يصل متأخرا، لكنه حين يصل يغير كل شيء.
صورة صديقي عبد الإله الدبدوبي على سرير المستشفى، بعد أن أنهكته 11 سنة من الدياليز والانتظار، واحدة من تلك الصور. كتب عبد الإله بعد نجاح عملية زرع الكلى: «أحمد الله وأشكره، بعد 11 عام من الدياليز والمعاناة تمكنت اليوم من إجراء عملية الزرع. شكراً لله أولا وشكرا لإسبانيا حكومة وشعبا.»

عبد الإله ليس مجرد مريض ينتظر كلية. هو شاب كان من الوجوه البارزة في حراك 20 فبراير بطنجة، حمل يومها شعارات التغيير والإصلاح، ثم خاض تجربته السياسية من بوابة الترشح للانتخابات التشريعية مرتين، دون أن يحالفه الفوز. وهو أيضا صاحب مسار علمي ومهني طويل، درس بكلية العلوم والتقنيات بطنجة، وحصل على ماستر في هندسة المواد، إلى جانب تكوينات في هندسة الإعلاميات، من بينها SAP S/4HANA، وتكوينات مهنية أخرى في إسبانيا.
لكن المرض لا يسأل الإنسان عن شهاداته، ولا عن مواقفه السياسية، ولا عن نتائج الانتخابات.
بعد 11 عاما من الدياليز، وجد عبد الإله أخيرا فرصة لزرع كلية، وكانت إسبانيا هي الأمل.
توقفت طويلا عند هذه العبارة، خصوصا ونحن نعيش ظرفية تعرف فيها صورة المغرب داخل جزء من الإعلام والخطاب السياسي الإسباني توترا غير مسبوق، وتتحول فيها بعض الملفات المرتبطة بالمغرب إلى مادة للصراع الانتخابي والحسابات الداخلية في السوق السياسية الإسبانية.
في هذه اللحظة بالذات، تقدم لنا قصة عبد الإله صورة أخرى لإسبانيا.
إسبانيا المستشفى، والطبيب، ومنظومة التبرع بالأعضاء، والمتبرع المجهول الذي لا يعرف عبد الإله اسمه ولا وجهه.
ربما رحل ذلك الإنسان عن الدنيا، لكن جزءا منه بقي قادرا على منح إنسان آخر فرصة للحياة.
وهنا تصبح السياسة صغيرة أمام الإنسان.
السياسيون قد يختلفون، والإعلام قد يتراشق، والانتخابات قد تجعل الملفات الخارجية وقودا للصراع الداخلي، لكن المرض لا يعرف الانتخابات، ولا جوازات السفر، ولا الحدود.
في غرفة العمليات، لم يكن عبد الإله معنيا بمن قال ماذا عن المغرب، ولا بمن هاجم المغرب، ولا بمن دافع عنه. كان هناك إنسان يريد أن يعيش، وطبيب يريد أن ينقذ حياة، ومنظومة صحية تعرف كيف تحول التبرع إلى فرصة للحياة.
وهذه ربما هي المفارقة الأكثر إنسانية في القصة.
إسبانيا التي قد نختلف مع بعض خطابها السياسي والإعلامي تجاه المغرب، هي نفسها البلد الذي وجد فيه شاب مغربي الأمل بعد أكثر من عقد من المعاناة.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول ذلك إلى مقارنة سطحية بين بلد «ينقذ» وبلد «يفشل».
فالمغرب ليس بلا كفاءات طبية، ولا بلا مستشفيات قادرة على إجراء عمليات الزرع. لدينا أطباء ومؤسسات وتجارب في زراعة الكلى والكبد والنخاع العظمي والقرنية، ولدينا إطار قانوني ينظم التبرع بالأعضاء، كما أن التغطية الصحية أصبحت تتكفل بمصاريف عمليات الزرع وفق شروطها.
المشكلة الأعمق تكمن في مكان آخر: كيف ننتقل من وجود الإمكانات الطبية والقانونية إلى بناء ثقافة ومنظومة تبرع قادرة فعلا على توفير الأعضاء للمرضى الذين ينتظرون؟
فأفضل جراح لا يستطيع زرع كلية غير موجودة.
وأحدث مستشفى لا يستطيع إنقاذ مريض إذا لم يصل إليه العضو المناسب.
والقانون، مهما كان متقدما، لا يكفي وحده لبناء الثقة.
المعطيات المتداولة حول المغرب تكشف فجوة كبيرة بين حجم الحاجة وعدد المتبرعين وعمليات الزرع، في وقت تظل فيه ثقافة التبرع بالأعضاء محدودة، وتستمر مخاوف مرتبطة بحرمة الجسد، والثقة في المنظومة، وغياب التواصل والتوعية المستمرة.
وهنا لا ينبغي أن نسأل: هل مجتمعنا أناني؟
ربما يكون السؤال أكثر عدلا: هل نجحنا في بناء منظومة تجعل المواطن يثق في أن قراره بالتبرع سيحترم، وأن العضو سيصل إلى من يحتاجه، وأن العملية كلها ستتم بالشفافية والعدالة اللازمتين؟
إسبانيا لم تنجح فقط لأن مواطنيها أكثر كرما، لقد نجحت لأنها حولت التضامن إلى منظومة مؤسساتية متكاملة، جعلت التبرع بالأعضاء جزءا من عمل صحي منظم، وليس مجرد قرار فردي معزول.
وفي سنة 2025، أجرت إسبانيا 6,335 عملية زراعة أعضاء، بينها 3,998 زراعة كلى، وسجلت 2,547 متبرعا بعد الوفاة، بمعدل 51.9 متبرعا لكل مليون نسمة، وفق المنظمة الوطنية الإسبانية لزراعة الأعضاء.
الأرقام مهمة، لكنها لا تحكي كل شيء.
أحيانا تختبئ خلف الرقم قصة إنسان.
وخلف كل عملية زرع، هناك مريض كان ينتظر، وطبيب يعمل، وعائلة اتخذت قرارا صعبا، ومتبرع لن يظهر اسمه في الصورة.
في قصة عبد الإله، هناك شخص غائب تماما عن المشهد، لكنه ربما أهم شخص فيه: المتبرع المجهول.
إنسان لا يعرف عبد الإله اسمه، وربما لن يعرفه أبدا، لكنه منحه شيئا لا يمكن أن يقدر بثمن: فرصة جديدة للحياة.
وهنا، وسط كل هذا الصخب السياسي والإعلامي، يبدو السؤال أكبر من المغرب وإسبانيا.
أي شيء يمكن أن يكون أكثر إنسانية من أن يتحول موت إنسان إلى حياة إنسان آخر؟
ربما نحتاج في المغرب إلى أن نتحدث عن التبرع بالأعضاء بالطريقة نفسها التي نتحدث بها عن باقي قضايا الصحة والحق في الحياة. نحتاج إلى توعية مستمرة، وإلى شفافية أكبر، وإلى ثقة أقوى في المؤسسات، وإلى منظومة تجعل المواطن يعرف ماذا يحدث عندما يقرر أن يتبرع، وكيف تحمى إرادته، وكيف يضمن توزيع الأعضاء بعدالة.
لا نحتاج إلى مجتمع «أكثر عاطفة»، بقدر ما نحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف تنظم إنسانيتنا.
قصة عبد الإله لا ينبغي أن تكون مناسبة للتصفيق لإسبانيا أو لجلد المغرب.
هي مناسبة للتفكير.
نريد مغربا يستطيع فيه المريض المغربي أن يجد الأمل في بلده، كما وجده عبد الإله في إسبانيا.
ونريد، في الوقت نفسه، أن تبقى الإنسانية أكبر من السياسة، وأن نرى في الآخر، مهما اختلفنا معه، إنسانا قبل أن نراه خصما سياسيا.
لأن العلاقات بين الشعوب لا تختصرها تصريحات السياسيين، ولا عناوين الصحف، ولا نتائج الانتخابات.
هناك مرضى وأطباء ومتبرعون وعائلات.
وهناك حياة.
عبد الإله اليوم يستعيد فرصة جديدة للحياة بعد أحد عشر عاما من الانتظار.
فلنفرح له أولا.
ولنخفض، ولو قليلا، صوت السياسة أمام صوت الإنسان.
ففي النهاية، ما قيمة أن تنتصر في معركة سياسية إذا خسر الإنسان؟
عبد الإله لم يكن يبحث عن انتصار انتخابي.
كان يبحث عن الحياة.
ووجد الأمل في إسبانيا.
رحم الله المتبرع المجهول، وشفى كل مريض ينتظر، وحفظ لعبد الإله هذه الحياة الجديدة.
فأجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه، ربما ليس ما جمعه في حياته، وإنما الحياة التي منحها لغيره بعد رحيله.



