حماية المستهلك تبدأ قبل المستشفى.
حين تقول السلامة الصحية شيئا، ويقول الواقع شيئا آخر.
في موضوع الدجاج، لا تبدو المفارقة في ما تقوله المؤسسات المختصة، بل في المسافة التي تفصل بين ما تقوله التوصيات الرسمية وما يراه المستهلك أحيانا أمامه في بعض الأسواق والأحياء.
فالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية «أونسا» يوصي المستهلك باقتناء الدجاج من المجازر ووحدات تحضير الدواجن المرخصة، واحترام شروط حفظ اللحوم وتبريدها، باعتبار ذلك جزءا أساسيا من سلامة المنتوج. كما أن المعايير الرسمية تضع درجات حرارة ومددا محددة لحفظ منتجات الدواجن المبردة، بما يعكس حساسية هذه المنتجات وسرعة تلفها.
لكن ماذا يحدث عندما ننتقل من التوصية الرسمية إلى بعض الأسواق؟
هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
ما زالت بعض الفضاءات تعرف بيع الدجاج الحي وذبحه وترييشه في ظروف تثير أكثر من علامة استفهام حول النظافة، والتخلص من مخلفات الذبح، ومصدر الدواجن، وظروف نقلها وحفظها.
وفي بعض الحالات، لا يتعلق الأمر فقط بمحلات تقليدية منظمة، وإنما بمظاهر عشوائية تمتد إلى الأسواق والفضاءات المفتوحة، حيث يمكن أن يصل الأمر إلى بيع الدجاج أو الديك الرومي في ظروف لا تساعد المستهلك أصلا على معرفة مصدر المنتوج أو ظروف التعامل معه.
والأهم أن هذه ليست مجرد مسألة مرتبطة بشكل المحل أو بمنظر المكان.
المسألة تتعلق بما يصل إلى مائدة الأسرة.
فالدجاج منتوج غذائي سريع التلف، وسلامته لا تبدأ من المطبخ، وإنما من مصدره، وطريقة ذبحه، ونظافته، ونقله، وحفظه، ثم وصوله إلى المستهلك.
ولهذا فإن مشهد الدماء المتراكمة، والروائح، ومياه الترييش التي لا يتم تغييرها بالشكل الكافي، أو اختلاط مخلفات الذبح بالنفايات، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد صورة غير جميلة.
النظافة في هذا المجال ليست مسألة تجميلية.
إنها جزء من سلامة الغذاء.
وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن وقف عند إشكالية سوق الدواجن الحية والمذابح التقليدية، وسجل أن حوالي 92 في المائة من لحوم الدواجن الحية كانت تسوق عبر المذابح التقليدية، مع ملاحظات تتعلق باحترام شروط النظافة وغياب الرقابة الصحية البيطرية، معتبرا أن ذبح وإعداد لحوم الدواجن يشكلان الحلقة الأضعف في السلسلة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى.
نحن نطالب المواطن بأن يكون مستهلكا عقلانيا، وأن يقرأ المعلومات، ويتأكد من المصدر، ويحترم سلسلة التبريد، وأن يتجنب المنتجات مجهولة المصدر.
وهذا مطلوب فعلا.
لكن ثقافة الاستهلاك العقلاني لا يمكن أن تقوم على المستهلك وحده.
فالمستهلك لا يستطيع أن يتحقق بنفسه من كل حلقة في سلسلة الإنتاج والتوزيع. ولا يمكن أن نطلب منه أن يقوم مقام الطبيب البيطري أو جهاز المراقبة الصحية.
دوره أن يختار، وأن يسأل، وأن يرفض المنتوج المشكوك فيه، وأن يبلغ عن المخالفات.
أما ضمان وجود سوق منظم وآمن، فمسؤولية المؤسسات المختصة.
وهنا يأتي دور السلطات المحلية، والمصالح البيطرية، و«أونسا»، وأجهزة المراقبة، وجمعيات حماية المستهلك، والإعلام.
المطلوب ليس حملات موسمية تظهر بعد انتشار الصور أو تسجيل حالة تسمم، ثم تختفي بانتهاء الضجة.
المطلوب مراقبة مستمرة، ووقاية قبل وقوع الضرر.
فإذا كان الهدف هو بناء قطاع صحي قوي وتخفيف الضغط على المستشفيات، فإن حماية المستهلك يجب أن تكون جزءا من السياسة الصحية، لا نشاطا هامشيا يأتي بعد وقوع المشكلة.
كل درهم يستثمر في الوقاية، وفي مراقبة الغذاء، وفي احترام شروط السلامة، هو في النهاية استثمار في صحة المواطن.
وهنا لا بد من توضيح نقطة مهمة أيضا.
الدعوة إلى تنظيم هذا القطاع لا تعني تجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي للمحلات التقليدية، ولا تعني أن أصحابها جميعا يمارسون النشاط بالطريقة نفسها.
المطلوب هو تنظيم النشاط وتأهيله وإخضاعه للقواعد الصحية، مع تطبيق القانون على من يصر على العمل خارجه.
فالمشكلة ليست في أن المواطن اعتاد شراء الدجاج حيا، ولا في وجود تجارة تقليدية في حد ذاتها.
المشكلة تبدأ عندما تصبح العادة أقوى من قواعد السلامة.
وعندما يصبح منظر الدجاج الحي أو عملية ذبحه أمام المستهلك ضمانا نفسيا للجودة، بينما لا يستطيع هذا المستهلك أن يعرف مصدر الدجاج، ولا ظروف نقله، ولا مدى احترام شروط النظافة، ولا ما إذا كانت عملية الذبح والتجهيز تمت داخل وحدة خاضعة للمراقبة.
رؤية الدجاج حيا ليست شهادة صحية.
والذبح أمام العين لا يعوض المراقبة البيطرية.
كما أن السعر المناسب لا ينبغي أن يكون على حساب سلامة الغذاء.
في النهاية، نحن أمام معادلة بسيطة،
مستهلك واع ، منتوج معلوم المصدر ،وحدة مرخصة ، مراقبة فعالة ، احترام سلسلة التبريد ، حماية حقيقية للمستهلك.
أما أن نطلب من المواطن أن يحمي نفسه، ثم نترك بعض مظاهر العشوائية قائمة أمامه، فهذه معادلة يصعب أن تنجح.
حماية المستهلك لا تبدأ عندما يصل المريض إلى المستشفى.
تبدأ قبل ذلك بكثير… من المكان الذي اشترى منه غذاءه.



