زيرو تحايل على السائح… من رد الفعل إلى الوقاية
بقلم: الحداد حسن المنزلي
واقعة مراكش الأخيرة تعيد طرح سؤال أكبر من واقعة بيع كمية محدودة من الفواكه الجافة لسائح مقابل 200 درهم. فقد انتهت القضية، بحسب المعطيات المتداولة، بإدانة البائع والحكم عليه بـ10 أشهر حبسا نافذا، بعد انتشار فيديو وثق الواقعة وأثار موجة واسعة من الاستنكار.
لكن اللافت في هذه القضية ليس فقط ما انتهت إليه أمام القضاء، وإنما السؤال الذي يجب أن تطرحه علينا:
لماذا ننتظر الفيديو حتى تتحرك المراقبة؟
مراكش ليست الحالة الوحيدة التي تجعل هذا السؤال مشروعا. فقد سبق أن كشفت صور وفيديوهات من طنجة اختلالات مرتبطة بظروف تقديم بعض الأطعمة، قبل أن تتدخل الجهات المختصة. وفي الحالتين كان الهاتف هو الذي كشف الواقعة أولا، ثم جاءت المراقبة والتدخل بعد أن أصبحت القضية أمام الرأي العام.
الفيديو يستطيع أن يكشف مخالفة خلال دقائق، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى شرط مسبق لاكتشافها.
لقد ولى زمن التعامل مع الغش بمفهومه التقليدي باعتباره مجرد مطاردة لمخالف بعد وقوع المخالفة. المغرب قطع أشواطا مهمة في بناء ثقافة وقانون السوق، وأصبح المستهلك في صلب عدد من السياسات والتشريعات والمؤسسات ذات الصلة بحماية حقوقه.
لكن الانتقال من قانون حماية المستهلك إلى ثقافة حماية المستهلك لم يكتمل بعد.
فثقافة الاستهلاك العقلاني، والوقاية، والسلامة الصحية، والشفافية في الأسعار والخدمات، مازالت تواجه مقاومة لأسباب متعددة، من بينها اتساع القطاع غير المهيكل، وبعض الممارسات المتجذرة اجتماعيا وثقافيا، وضعف الوعي بالحقوق والواجبات، فضلا عن تفاوت قدرات المراقبة والمواكبة.
وهنا تحديدا ينبغي أن يتغير السؤال.
لم يعد المطلوب فقط أن نسأل: من خالف؟ وكيف نعاقبه؟
بل ينبغي أن نسأل أيضا: كيف نمنع المخالفة قبل وقوعها؟
المغرب يتجه نحو استقطاب أعداد أكبر من السياح، واستقبل 19.8 مليون سائح سنة 2025، وبلغت مداخيل السياحة أكثر من 138 مليار درهم، بينما تقترب البلاد من استحقاقات كبرى في مقدمتها مونديال 2030. وهذه الرهانات لا تتعلق بالملاعب والطرق والفنادق وحدها، وإنما بكل تفصيل يمكن أن يصنع تجربة الزائر وانطباعه عن المغرب.
السائح الذي يتعرض لممارسة تجارية غير نزيهة لا يرى فقط محلا أو بائعا. هو يرى المغرب من خلال تلك التجربة.
ولهذا فإن حماية السائح ليست امتيازا للسائح الأجنبي، بل هي في جوهرها حماية للمستهلك المغربي أيضا. فالقاعدة التي تحمي الزائر تحمي المواطن، والشفافية التي نطالب بها في سوق السياحة يجب أن تكون قاعدة عامة في كل الأسواق المغربية.
من هنا، تصبح الوقاية أولوية.
نحتاج إلى مراقبة أكثر استباقية، وتكوين مستمر للمهنيين، وتحسيس واضح للمستهلكين، وإعلام مسؤول، وانخراط أكبر للقطاع المهني، واستعمال أفضل للرقمنة، إلى جانب تطبيق القانون بحزم وعدالة.
ونحتاج، في كل محل أو مرفق يقدم خدمة للمستهلك، إلى جعل حق الشكاية حقا عمليا لا مجرد حق مكتوب في النصوص. استمارة أو دفتر للشكايات، مع إعلام واضح بوجوده، ومسار معروف لتسجيل الشكاية وتوجيهها وتتبعها والرد عليها داخل آجال معقولة.
الكاميرات يمكن أن تساعد في المراقبة والحماية، والهاتف أصبح في يد كل مستهلك تقريبا، لكن لا ينبغي أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي المحكمة الأولى ولا جهاز المراقبة البديل.
المطلوب هو أن يستطيع المستهلك أن يحتج قبل أن يصور، وأن يشتكي قبل أن ينشر، وأن يحصل على جواب قبل أن تتحول الواقعة إلى قضية رأي عام محليا و دوليا .
ومن هنا أيضاً تأتي الحاجة إلى تحيين منظومة حماية المستهلك بما يواكب التحولات التي عرفها السوق، والتعجيل بما يلزم من إصلاحات مؤسساتية وتشريعية، وتطوير بوابة المستهلك وربطها بمنظومة رقمية فعالة للشكايات، بما يجعل الشكاية قابلة للتسجيل والتتبع والمعالجة، لا مجرد ورقة أو رقم في سجل.
كما أن جمعيات حماية المستهلك تحتاج إلى دعم وتقوية أدوارها في التوعية والمواكبة والرصد والدفاع عن حقوق المستهلك، لأن حماية السوق ليست مهمة جهاز واحد، ولا يمكن أن تنجح بمنطق الحملات الموسمية.
الرهانات كبيرة، والوقت لم يعد يسمح بمنطق الانتظار حتى تقع الواقعة ثم نبحث عن الفيديو.
مونديال 2030 ليس مجرد موعد رياضي. إنه اختبار لصورة المغرب، ولقدرته على تنظيم سوق يحترم المستهلك، ويضمن جودة الخدمات، ويحمي السلامة الصحية، ويعزز الثقة.
لذلك، فإن حماية المستهلك يجب أن تنتقل من خانة الملفات المهمة إلى أولوية وطنية.
نريد مغربا يعرف فيه السائح والمواطن سعر ما يشتري، وجودة ما يستهلك، وحقوقه عندما يتعرض للضرر، والجهة التي يلجأ إليها عندما يشتكي.
نريد أن يحصل المستهلك على حقه قبل أن يضطر إلى إخراج هاتفه.
زيرو تحايل على السائح، زيرو تساهل مع المخالف، وزيرو انتظار للفيديو حتى تبدأ الوقاية.
فحماية المستهلك لا تبدأ بعد انتشار الواقعة، بل تبدأ قبلها.


